ة " و قال ابن حبان في ثقاته ( 9 / 107 ) : مستقيم  
الحديث لكن يقويه ما رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن إبراهيم قال : قال عبد  
الله : 
اتقوا هذه المحاريب . و كان إبراهيم لا يقوم فيها . 
قلت : فهذا صحيح عن ابن مسعود , فإن إبراهيم و هو ابن يزيد النخعي و إن كان لم  
يسمع من ابن مسعود , فهو عنه مرسل في الظاهر , إلا أنه قد صحح جماعة من الأئمة  
مراسيله , و خص البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود . 
قلت : و هذا التخصيص هو الصواب لما روى الأعمش 
قال :  قلت : لإبراهيم : أسند لي عن ابن مسعود , فقال إبراهيم :
إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله , فهو الذي سمعت , و إذا قلت : قال عبد الله ,  
فهو عن غير واحد عن عبد الله . 
علقه الحافظ هكذا في " التهذيب " , و وصله الطحاوي ( 1 / 133 ) , و ابن سعد في  
" الطبقات " ( 6 / 272 ) , و أبو زرعة في " تاريخ دمشق " ( 121 / 2 ) بسند صحيح  
عنه .
قلت : و هذا الأثر قد قال فيه إبراهيم : " قال عبد الله " , فقد تلقاه عنه من  
طريق جماعة , و هم من أصحاب ابن مسعود , فالنفس تطمئن لحديثهم لأنهم جماعة , 
و إن كانوا غير معروفين لغلبة الصدق على التابعين , و خاصة أصحاب ابن مسعود رضي  
الله عنه , ثم روى ابن أبي شيبة عن سالم بن أبي الجعد قال : 
" لا تتخذوا المذابح في المساجد " . 
و إسناده صحيح , ثم روى بسند صحيح عن موسى بن عبيدة قال : رأيت مسجد أبي ذر ,  
فلم أر فيه طاقا , و روى آثارا كثيرة عن السلف في كراهة المحراب في المسجد , 
و في ما نقلناه عنه كفاية . 
و أما جزم الشيخ الكوثري في كلمته التي صدر بها رسالة السيوطي السالفة ( ص 17 )  
: أن المحراب كان موجودا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم , فهو مع مخالفته  
لهذه الآثار التي يقطع من وقف عليها ببدعية المحراب , فلا جرم جزم بذلك جماعة  
من النقاد , كما سبق , فإنما عمدته في ذلك حديث لا يصح , و لا بد من الكلام  
عليه دفعا لتلبيسات الكوثري , و هو من حديث وائل بن حجر , و هو قوله :
449	" حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نهض إلى المسجد , فدخل المحراب يعني  
موضع المحراب , ثم رفع يديه بالتكبير , ثم وضع يمينه على يسراه على صدره " .

قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ( 1 / 643 ) : 

$ ضعيف .
أخرجه البيهقي ( 2 / 30 ) عن محمد بن حجر الحضرمي حدثنا سعيد بن عبد الجبار ابن  
وائل عن أبيه عن أمه عن وائل .
و من هذا الوجه رواه البزار و الزيادة له و الطبراني في " الكبير " كما في "  
المجمع " ( 1 / 232 , 2 / 134 - 135 ) و قال : 
و فيه سعيد بن عبد الجبار , قال النسائي : ليس بالقوي , و ذكره ابن حبان في 
" الثقات " , و محمد بن حجر ضعيف و قال في الموضع الآخر : 
و فيه محمد بن حجر , قال البخاري : فيه بعض النظر , و قال الذهبي : له مناكير  
.قلت : و به أعله ابن التركماني في " الجوهر النقي " و زاد : 
و أم عبد الجبار , هي : أم يحيى , لم أعرف حالها , و لا اسمها , فتبين من كلام  
هؤلاء العلماء أن هذا الإسناد فيه ثلاث علل : 
1 - محمد بن حجر . 
2 - سعيد بن عبد الجبار . 
3 - أم عبد الجبار . 
فمن تلبيسات الكوثري : أنه سكت عن العلتين الأوليين , موهما للقاريء أنه ليس  
فيه ما يخدش إلا العلة الثالثة , و مع ذلك فإنه أخذ يحاول دفعها بقوله : 
و ليس عدم ذكر أم عبد الجبار بضائره , لأنها لا تشذ عن جمهرة الراويات اللاتي  
قال عنهن الذهبي : و ما علمت في النساء من اتهمت و لا من تركوها . 
قلت : و ليس معنى كلام الذهبي هذا , إلا أن حديث هؤلاء النسوة ضعيف , و لكنه  
ضعف غير شديد , فمحاولة الكوثري فاشلة , لا سيما بعد أن كشفنا عن العلتين  
الأوليين . 
و لذلك المقدم الآخر لرسالة السيوطي , و المعلق عليها و هو الشيخ عبد الله محمد  
الصديق الغماري كان منصفا في نقده لهذا الحديث و إن كان متفقا مع الكوثري في  
استحسان المحاريب , فقد أفصح عن ضعف الحديث فقال ( ص 20 ) و كأنه يرد على  
الكوثري , و قد اطلع قطعا على كلامه : 
و الحق أن الحديث ضعيف بسبب جهالة أم عبد الجبار , و لأن محمد بن حجر بن 
عبد الجبار له مناكير كما قال الذهبي , و على فرض ثبوته يجب تأويله بحمل  
المحراب فيه على المصلي بفتح اللام للقطع بأنه لم يكن للمسجد النبوي محراب إذ  
ذاك كما جزم به المؤلف يعني السيوطي و الحافظ و السيد السمهودي . 
قلت : و ما ذهب إليه من التأويل هو المراد من الحديث قطعا لو ثبت بدليل زيادة  
البزار يعني موضع المحراب , فإنه نص على أن المحراب لم يكن في عهده صلى الله  
عليه وسلم و لذلك تأوله الراوي بموضع المحراب , و من ذلك يتبين للقاريء المنصف  
سقوط تشبث الكوثري بالحديث سندا و معنى , فلا يفيده الشاهد الذي ذكره من رواية 
عبد المهيمن بن عباس عند الطبراني من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه و فيه ....  
" فلما بنى له محراب تقدم إليه ... " . 
ذلك لأن هذا اللفظ " بنى له محراب " منكر تفرد به عبد المهيمن هذا , و قد ضعفه  
غير واحد , كما زعم الكوثري , و حاله في الحقيقة شر من ذلك , فقد قال فيه  
البخاري : منكر الحديث , و قال النسائي : ليس بثقة . 
فهو شديد الضعف , لا يستشهد به كما تقرر في مصطلح الحديث , هذا لو كان لفظ  
حديثه موافقا للفظ حديث وائل , فكيف و هما مختلفان كما بينا ? ! 
و أما استحسان الكوثرى و غيره المحاريب , بحجة أن فيها مصلحة محققة , و هي  
الدلالة على القبلة , فهي حجة واهية من وجوه : 
أولا : أن أكثر المساجد فيها المنابر , فهي تقوم بهذه المصلحه قطعا , فلا حاجة  
حينئذ للمحاريب , و ينبغي أن يكون ذلك متفقا بين المختلفين في هذه المسألة لو  
أنصفوا , و لم يحاولوا ابتكار الأعذار إبقاء لما عليه الجماهير و إرضاء لهم .
ثانيا : أن ما شرع للحاجة و المصلحة , ينبغي أن يوقف عندما تقتضيه المصلحة , 
و لا يزاد على ذلك , فإذا كان الغرض من المحراب في المسجد , هو الدلالة على  
القبلة , فذلك يحصل بمحراب صغير يحفر فيه , بينما نرى المحاريب في أكثر المساجد  
ضخمة واسعة يغرق الإمام فيها , زد على ذلك أنها صارت موضعا للزينة و النقوش  
التي تلهى المصلين و تصرفهم عن الخشوع في الصلاة و جمع الفكر فيها , و ذلك منهي  
عنه قطعا . 
ثالثا : أنه إذا ثبت أن المحاريب من عادة النصارى في كنائسهم , فينبغي حينئذ  
صرف النظر عن المحراب بالكلية , و استبداله بشيء آخر يتفق عليه , مثل وضع عمود  
عند موقف الإمام , فإن له أصلا في السنة , فقد أخرج الطبراني في " الكبير " 
( 1 / 89 / 2 ) و " الأوسط " ( 2 / 284 / 9296 ) من طريقين عن عبد الله بن موسى  
التيمي , عن أسامة بن زيد , عن معاذ بن عبد الله بن خبيب , عن جابر بن أسامة  
الجهني قال : 
" لقيت النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه في السوق , فسألت أصحاب رسول الله  
أين يريد ? قالوا : يخط لقومك مسجدا , فرجعت فإذا قوم قيام , فقلت : ما لكم ?  
قالوا : خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجدا , و غرز في القبلة خشبة  
أقامها فيها . 
قلت : و هذا إسناد حسن أو قريب من الحسن رجاله كلهم ثقات معروفون من رجال "  
التهذيب " , لكن التيمي مختلف فيه و قد تحرف اسم أحدهم على الهيثمي فقال في "  
المجمع " ( 2 / 15 ) : رواه الطبراني في الأوسط و الكبير , و فيه معاوية بن عبد  
الله بن حبيب , و لم أجد من ترجمه . 
و إنما هو : معاذ لا معاوية و ابن خبيب بضم المعجمة , لا حبي