ماء مسيرة خمسمائة سنة " .
أخرجه الحاكم ( 2/378 ) و أحمد ( 1/206 ) من طريق يحيى بن العلاء عن عمه شعيب  
ابن خالد .
قلت : و شعيب هذل ليس به بأس كما قال النسائي و غيره . فالعلة من ابن أخته يحيى  
ابن العلاء فإنه متروك متهم كما تقدم غير مرة , فلا يعتد بمخالفته , و قول  
الحاكم عقبه :
" صحيح الإسناد " ! فمن أوهامه , و ليس ذلك غريبا منه , و إنما الغريب موافقة  
الذهبي إياه على تصحيحه , مع أنه قد أورد ابن العلاء هذا في " الميزان " و ذكر  
نقولا كثيرة عن الأئمة في توهينه , منها قول أحمد :
" كذاب يضع الحديث " .
و يقابل هذا بعض الشيء إعلال الحافظ المنذري للحديث في " مختصر السنن " بقوله (  
7/93 ) :
" و في إسناده الوليد بن أبي ثور , و لا يحتج بحديثه " .
و ليس ذلك منه بجيد , فقد تابعه إبراهيم بن طهمان , و هو ثقة محتج به في "  
الصحيحين " , و هذه المتابعة في " سنن أبي داود " الذي اختصره المنذري فكيف  
خفيت عليه ? ! و لذلك قال ابن القيم في " تهذيب السنن " ( 7/92 ) :
" أما رد الحديث بالوليد بن أبي ثور ففاسد , فإن الوليد لم ينفرد به .. " .
ثم ذكر متابعة ابن طهمان و عمرو بن أبي قيس ثم قال :
" فأي ذنب للوليد في هذا ? ! و أي تعلق عليه ? ! و إنما ذنبه روايته ما يخالف  
قول الجهمية , و هي علته المؤثرة عند القوم " .
قلت : لا شك أنه لا ذنب للوليد في هذا الحديث بعد متابعة من ذكرنا له , و لكن  
الحديث لا يثبت بذلك حتى تتوفر فيمن فوقه شروط رواة الحديث الصحيح أو الحسن على  
الأقل , و ذلك ما لم نجده , فإن عبد الله بن عميرة لم تثبت عدالته , فقال  
الذهبي في " كتاب العلو " ( ص 109 ) عقب الحديث :
" تفرد به سماك بن حرب عن عبد الله , و عبد الله فيه جهالة , و يحيى بن العلاء  
متروك , و قد رواه إبراهيم بن طهمان عن سماك , و إبراهيم ثقة " .
و قال في ترجمة ابن عميرة من " الميزان " :
" فيه جهالة , قال البخاري : لا يعرف له سماع من أحنف بن قيس " .
و البخاري بقوله هذا كأنه يشير إلى جهالته , و كذلك مسلم , فقال في " الوحدان "  
:
" تفرد سماك بالرواية عنه " .
و صرح بذلك إبراهيم الحربي فقال :
" لا أعرفه " .
و أما ابن حبان فأورده في " الثقات " على قاعدته المعروفة و قال ( 1/109 - 110  
) :
" عبد الله بن عميرة بن حصين القيسي من بني قيس بن ثعلبة , كنيته أبو المهاجر ,  
عداده في أهل الكوفة , يروي عن عمر و حذيفة , و هو الذي روى عن الأحنف بن قيس ,  
روى عنه سماك بن حرب , و هو الذي يقول فيه إسرائيل : عبد الله بن حصين العجلي "  
.
قلت : و أورده ابن أبي حاتم في " الجرح و التعديل " ( 2/2/124 - 125 ) لكن  
جعلهم ثلاثة : " عبد الله بن عميرة , عن الأحنف . عبد الله بن عمير أبو المهاجر  
القيسي عن عمر . عبد الله بن عميرة بن حصين كوفي أبو سلامة , و يقال : عبد الله  
ابن حصن العجلي , روى عن حذيفة " .
و ذكر أن ثلاثتهم روى عنهم سماك بن حرب لا غير . و ذهب الحافظ في " التقريب "  
إلى أن الصواب أنهم واحد كما قال ابن حبان , و يعكر عليه عندي أن ابن حصين  
كنيته أبو سلامة , بينما القيسي الذي روى عن عمر كنيته أبو المهاجر , فلعلهما  
اثنان , أحدهما عبد الله بن عميرة راوي هذا الحديث . والله أعلم .
و خلاصة القول : أن ابن عميرة هذا غير معروف عند أئمة الحديث , و لذلك فقول  
الترمذي عقبه :
" حديث حسن غريب " .
ينبغي أن يعد من تساهله الذي عرف به , حتى قال الذهبي من أجل مثل هذا التساهل :
" و لذلك لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي " .
و أما قول صاحب " تحفة الأحوذي " رحمه الله عقب قول الترمذي المذكور :
" و أخرجه أبو داود من ثلاث طرق , اثنتان منها قويتان " .
فوهم محض , فإنه لا طريق له إلا هذه الطريق المجهولة , كما صرح بذلك الذهبي  
رحمه الله فيما تقدم .
و مثل ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية في " مجموعة فتاواه " ( 3/192 ) :
" هذا الحديث مع أنه رواه أهل السنن كأبي داود و ابن ماجه و الترمذي و غيرهم ,  
فهو مروي من طريقين مشهورين , فالقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر " .
لكن هناك في كلامه قرينة تدل على أنه لم يرد الطريقين إلى النبي صلى الله عليه  
وسلم كما هو المتبادر من الإطلاق , و إنما أراد طريقين إلى الراوي عن ابن عميرة  
, يفهم هذا من التخريج السابق و قوله بعدما تقدم :
" فقال ( يعني بعض المعارضين به ) : أليس مداره على ابن عميرة , و قد قال  
البخاري : لا يعرف له سماع من الأحنف , فقلت : قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة  
في كتاب " التوحيد " الذي اشترط فيه أنه لا يحتج به إلا بما نقله العدل عن  
العدل موصولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم , قلت : و الإثبات مقدم على النفي ,  
و البخاري إنما نفى معرفة سماعه من الأحنف , لم ينف معرفة الناس بهذا , فإذا  
عرف غيره كإمام الأئمة ابن خزيمة ما ثبت به الإسناد , كانت معرفته و إثباته  
مقدما على نفي غيره , و عدم معرفته " .
قلت : و في هذا الجواب ما لا يخفى , و مثله إنما يفيد مع المقلد الذي لا علم  
عنده بطرق إعلال الحديث و الجرح و التعديل , أو من لم يقف على إسناده الذي به  
يتمكن من نقده إن كان من أهله , أو من لم يطلع على كلام أهل النقد في بعض رجاله  
, أما بعد أن عرف إسناد الحديث , و أنه تفرد به عبد الله بن عميرة , و تفرد  
سماك بالرواية عنه , و قول الحربي فيه : لا أعرفه , و إشارة مسلم إلى جهالته ,  
و تصريح الذهبي بذلك كما سبق , فلا يفيد بعد الاطلاع على هذا أن ابن خزيمة  
أخرجه , لا سيما و هو معروف عند أهل المعرفة بهذا الفن أنه متساهل في التصحيح ,  
على نحو تساهل تلميذه ابن حبان , الذي عرف عنه الإكثار من توثيق المجهولين ثم  
التخريج لأحاديثهم في كتابه " الصحيح " ! و لعله تأسى بشيخه في ذلك , غير أنه  
أخطأ في ذلك أكثر منه .
و قد يكون من المفيد أن نذكر أمثلة أخرى من الأحاديث الضعيفة التي وردت في "  
كتاب التوحيد " لابن خزيمة مع بيان علتها , ليكون القارىء على بينة مما ذكرنا  
من تساهل ابن خزيمة رحمه الله تعالى .
الحديث الأول :
" إن الله تبارك و تعالى قرأ ( طه ) و ( يس ) قبل أن يخلق آدم بألفي عام , فلما  
سمعت الملائكة القرآن قالوا : طوبى لأمة ينزل هذا عليهم , و طوبى لألسن تتكلم  
بهذا , و طوبى لأجواف تحمل هذا " .
الحديث الثاني مما في " التوحيد " لابن خزيمة من الأحاديث الضعيفة :
" يمكث رجل في النار فينادي ألف عام : يا حنان يا منان ! فيقول الله تبارك 
و تعالى : يا جبريل ! أخرج عبدي فإنه بمكان كذا و كذا , فيأتي جبريل النار ,  
فإذا أهل النار منكبين على مناخرهم , فيقول : يا جبريل ! اذهب فإنه في مكان كذا  
و كذا , فيخرجه , فإذا وقف بين يدي الله تبارك و تعالى , يقول الله تبارك 
و تعالى : أي عبدي كيف رأيت مكانك ? قال : شر مكان , و شر مقيل , فيقول الرب  
سبحانه و تعالى : ردوا عبدي , فيقول : يا رب ما كان هذا رجائي , فيقول الرب  
سبحانه و تعالى : أدخلوا عبدي الجنة " .
و من ضعاف " المختارة " للضياء :
" إن أناسا من أمتي سيتفقهون في الدين , و يقرؤن القرآن , و يقولون : نأتي  
الأمراء فنصيب من دنياهم , و نعتزلهم بديننا , و لا يكون ذلك , كما لا يجتنى من  
القتاد إلا الشوك , كذلك لا يجتنى من قربهم إلا . قال محمد بن الصباح : كأنه  
يعني الخطايا " .
1248	" إن الله تبارك و تعالى قرأ ( طه ) و ( يس ) قبل أن يخلق