 ذلك الزعم الباطل 
و الله عز وجل يقول في كتابه : *( عالم الغيب , فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من  
ارتضى من رسول )* . فهل يعتقدون أن أولئك الأولياء رسل من رسل الله حتى يصح أن  
يقال إنهم يطلعون على الغيب بإطلاع الله إياهم !! سبحانك هذا بهتان عظيم .  
على أنه لو صح تسمية ما وقع لعمر رضي الله عنه كشفا , فهو من الأمور الخارقة  
للعادة التي قد تقع من الكافر أيضا , فليس مجرد صدور مثله بالذي يدل على إيمان  
الذي صدر منه فضلا على أنه يدل على ولايته و لذلك يقول العلماء إن الخارق  
للعادة إن صدر من مسلم فهو كرامة و إلا فهو استدراج , و يضربون على هذا مثل  
الخوارق التي تقع على يد الدجال الأكبر في آخر الزمان كقوله للسماء : أمطري ,  
فتمطر و للأرض : أنبتي نباتك فتنبت , و غير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة .  
و من الأمثلة الحديثة على ذلك ما قرأته اليوم من عدد " أغسطس " من السنة  
السادسة من مجلة " المختار " تحت عنوان : " هذا العالم المملوء بالألغاز وراء  
الحواس الخمس " ص 23 قصة " فتاة شابة ذهبت إلى جنوب أفريقيا للزواج من خطيبها ,  
و بعد معارك مريرة معه فسخت خطبتها بعد ثلاثة أسابيع , و أخذت الفتاة تذرع  
غرفتها في اضطراب , و هي تصيح في أعماقها بلا انقطاع : " أواه يا أماه ... ماذا  
أفعل ? " و لكنها قررت ألا تزعج أمها بذكر ما حدث لها ? و بعد أربعة أسابيع  
تلقت منها رسالة جاء فيها : " ماذا حدث ? لقد كنت أهبط السلم عندما سمعتك  
تصيحين قائلة : " أواه يا أماه ... ماذا أفعل ? " . و كان تاريخ الرسالة متفقا  
مع تاريخ اليوم الذي كانت تصيح فيه من أعماقها " . و في المقال المشار إليه  
أمثلة أخرى مما يدخل تحت ما يسمونه اليوم بـ " التخاطر " و " الاستشفاف " 
و يعرف باسم " البصيرة الثانية " اكتفينا بالذي أوردناه لأنها أقرب الأمثال  
مشابهة لقصة عمر رضي الله عنه , التي طالما سمعت من ينكرها من المسلمين لظنه  
أنها مما لا يعقل ! أو أنها تتضمن نسبة العلم بالغيب إلى عمر , بينما نجد غير  
هؤلاء ممن أشرنا إليهم من المتصوفة يستغلونها لإثبات إمكان اطلاع الأولياء على  
الغيب , و الكل مخطئ . فالقصة صحيحة ثابتة و هي كرامة أكرم الله بها عمر , حيث  
أنقذ به جيش المسلمين من الأسر أو الفتك به و لكن ليس فيها ما زعمه المتصوفة من  
الاطلاع على الغيب , و إنما هو من باب الإلهام ( في عرف الشرع ) أو (‎التخاطر )  
في عرف العصر الحاضر الذي ليس معصوما , فقد يصيب كما في هذه الحادثة و قد يخطئ  
كما هو الغالب على البشر , و لذلك كان لابد لكل ولي من التقيد بالشرع في كل ما  
يصدر منه من قول أو فعل خشية الوقوع في المخالفة , فيخرج بذلك عن الولاية التي  
وصفها الله تعالى بوصف جامع شامل فقال : *( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم 
و لا هم يحزنون . الذين آمنوا و كانوا يتقون )* . و لقد أحسن من قال :           
          إذا رأيت شخصا قد يطيــر           و فوق ماء البحر قد يسير 
          و لم يقف على حدود الشرع           فإنه مستدرج و بــــدعـي

-----------------------------------------------------------

[1] فلا يغتر بإيراد النووي لهذه القصة بهذا التمام في " تهذيب الأسماء " 
( 2 / 10 ) , و قلده الأستاذ الطنطاوي في " سيرة عمر " , فإنهم يتساهلون في  
مثلها . اهـ .
1111	" أشبه ما رأيت بجبرائيل دحية الكلبي " .

قال الألباني في " السلسلة الصحيحة " 3 / 104 :

أخرجه ابن سعد ( 4 / 250 ) عن # ابن شهاب # قال : قال رسول الله صلى الله عليه  
وسلم : فذكره . 
قلت : و إسناده صحيح إلا أنه مرسل , ابن شهاب و هو الزهري تابعي صغير . و لكن  
له شاهد من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري مرفوعا بلفظ : " عرض علي الأنبياء  
... " . الحديث و في آخره . " و رأيت جبريل , فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية "  
. أخرجه مسلم ( 1 / 106 ) و أحمد ( 3 / 334 ) و ابن عساكر ( 17 / 155 / 1 ) من  
طريق الليث عن أبي الزبير عنه . و أخرج ابن سعد أيضا عن ابن عمر قال : " كان  
جبريل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي " . و إسناده صحيح  
على شرط مسلم , و به أخرجه أحمد ( 2 / 107 ) عقب حديث ابن عمر الآخر في مجيء  
جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم , و سؤاله إياه عن الإسلام و الإيمان 
و الإحسان . و في المسند ( 6 / 142 ) عن عائشة رضي الله عنها : " و كان دحية  
الكلبي تشبه لحيته و سنه و وجهه جبريل عليه السلام " و إسناده جيد . و عنده ( 6  
/ 146 ) من طريق مجالد عن الشعبي عن أبي سلمة عنها قالت : رأيت رسول الله صلى  
الله عليه وسلم واضعا يده على معرفة فرس  و هو يكلم رجلا , قلت : رأيتك واضعا  
يدك على معرفة فرس دحية الكلبي و أنت تكلمه , قال : و رأيتيه ? قالت : نعم ,  
قال : ذاك جبريل عليه السلام , و هو يقرئك السلام .. " الحديث . و إسناده حسن  
في الشواهد , و قد أخرجه ابن سعد من طريق عبد الله بن عمر عن يحيى بن سعيد عن  
القاسم بن محمد عنها نحوه , دون إقراء السلام ... و إسناده قوي بما قبله .
1112	" كنت أعلمتها ( يعني ليلة القدر ) ثم أفلتت مني , فاطلبوها في سبع بقين 
أو ثلاث بقين " .

قال الألباني في " السلسلة الصحيحة " 3 / 105 :

أخرجه البزار في " مسنده " ( ص 109 - زوائد نسخة المكتب الإسلامي ) حدثنا يوسف  
ابن موسى حدثنا عبد الله بن الجهم حدثنا عمرو بن أبي قيس <1> عن الزبير بن عدي  
عن أبي وائل عن # عبد الله # قال : " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة  
القدر ? فقال " فذكره . 
قلت : و هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات من رجال " التهذيب " غير عبد الله بن  
الجهم , ترجمه ابن أبي حاتم ( 2 / 2 / 27 ) و قال عن أبي زرعة : " صدوق " . 
و قال الهيثمي في " المجمع " ( 3 / 176 ) : " رواه البزار و رجاله ثقات " . 
و للحديث شواهد كثيرة في " الصحيحين " و غيرهما عن جماعة من الصحابة تجد بعضها  
في " صحيح أبي داود " ( 1247 و 1248 و 1250 و 1251 و 1252 ) . و في " المسند "  
( 1 / 376 و 406 و 452 و 457 ) من طريقين آخرين عن ابن مسعود قال : إن رسول  
الله صلى الله عليه وسلم نبأنا أن ليلة القدر في النصف من السبع الأواخر . 

-----------------------------------------------------------
[1] الأصل " عمرو بن أبي عيسى " و التصويب من كتب الرجال . اهـ .
1113	" إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه " .

قال الألباني في " السلسلة الصحيحة " 3 / 106 :

قال في " المجمع " ( 4 / 98 ) : " رواه أبو يعلى عن # عائشة # و فيه مصعب بن  
ثابت , وثقه ابن حبان و ضعفه جماعة " . و في " التقريب " : " لين الحديث " . 
قلت : و صحح له الحاكم ( 2 / 301 ) حديثا في انتظار الصلاة , و وافقه الذهبي 
و هو من تساهلهما . و الحديث عزاه السيوطي للبيهقي فقط في " الشعب " و قال  
المناوي : " و فيه بشر بن السري تكلم فيه من قبل تجهمه , و كان ينبغي للمصنف  
الإكثار من مخرجيه إذ منهم أبو يعلى و ابن عساكر و غيرهما " . 
قلت : إن لم يكن في سند البيهقي من ينظر في حاله غير بشر هذا فالإسناد عندي قوي  
لأن الكلام الذي أشار إليه المناوي في بشر لا يقدح فيه لأنه ثقة في نفسه بل هو  
فوق ذلك ففي " التقريب " : " ثقة متقن طعن فيه برأي جهم , ثم اعتذر و تاب " . 
حتى و لو كان رأيه هذا يقدح في روايته فلا يجوز ذلك بعد أن تاب منه و اعتذر , 
و إن كان في سند البيهقي مصعب بن ثابت فيكون المناوي قد أبعد النجعة حيث لم يعل  
الحديث به بل بالثقة المتقن ! و الظاهر ا