ضح بالكتاب و السنة و أقوال الأئمة , و قد سمعت ذلك من بعض مدعي العلم من  
الأساتذة في مناقشة جرت بيني و بينه بمناسبة الفتنة التي أثارها علي ذلك الخطيب  
المشار إليه آنفا , فلما ذكرته بالحديث الصريح في عدم انقطاع التوبة المتقدم  
بلفظ : " لا تنقطع الهجرة .. " إلخ .. لم يحر جوابا ! و بهذه المناسبة أنقل إلى  
القراء الكرام ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في الحديثين المذكورين , و أنه لا  
تعارض بينهما , فقال في " مجموع الفتاوى " ( 18 / 281 ) : " و كلاهما حق ,  
فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمانه , و هي الهجرة إلى المدينة من مكة و  
غيرها من أرض العرب , فإن هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة و غيرها دار كفر  
و حرب , و كان الإيمان بالمدينة , فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام  
واجبة لمن قدر عليها , فلما فتحت مكة و صارت دار الإسلام و دخلت العرب في  
الإسلام صارت هذه الأرض كلها دار الإسلام , فقال : " لا هجرة بعد الفتح " , و  
كون الأرض دار كفر و دار إيمان , أو دار فاسقين ليست صفة لازمة لها : بل هي صفة  
عارضة بحسب سكانها , فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون هي دار أولياء الله في  
ذلك الوقت , و كل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر في ذلك الوقت , و كل أرض  
سكانها الفساق فهي دار فسوق في ذلك الوقت , فإن سكنها غير ما ذكرنا و تبدلت  
بغيرهم فهي دارهم و كذلك المسجد إذا تبدل بخمارة أو صار دار فسق أو دار ظلم أو  
كنيسة يشرك فيها بالله كان بحسب سكانه , و كذلك دار الخمر و الفسوق و نحوها إذا  
جعلت مسجدا يعبد الله فيه جل وعز كان بحسب ذلك , و كذلك الرجل الصالح يصير  
فاسقا و الكافر يصير مؤمنا أو المؤمن يصير كافرا أو نحو ذلك , كل بحسب انتقال  
الأحوال من حال إلى حال و قد قال تعالى : *( و ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة  
مطمئنة )* الآية نزلت في مكة لما كانت دار كفر و هي ما زالت في نفسها خير أرض  
الله , و أحب أرض الله إليه , و إنما أراد سكانها . فقد روى الترمذي مرفوعا أنه  
قال لمكة و هو واقف بالحزورة : " والله إنك لخير أرض الله , و أحب أرض الله إلى  
الله , و لولا قومي أخرجوني منك لما خرجت " <2> , و في رواية : " خير أرض الله  
و أحب أرض الله إلي " , فبين أنها أحب أرض الله إلى الله و رسوله , و كان مقامه  
بالمدينة و مقام من معه من المؤمنين أفضل من مقامهم بمكة لأجل أنها دار هجرتهم  
, و لهذا كان الرباط بالثغور أفضل من مجاورة مكة و المدينة , كما ثبت في الصحيح  
: " رباط يوم و ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر و قيامه , و من مات مرابطا  
مات مجاهدا , و جرى عليه عمله , و أجرى رزقه من الجنة , و أمن الفتان " <3> . و  
في السنن عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال : " رباط يوم في سبيل  
الله خير من ألف يوما فيما سواه من المنازل " <4> . و قال أبو هريرة <5> : لأن  
أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود . و  
لهذا كان أفضل الأرض في حق كل إنسان أرض يكون فيها أطوع لله و رسوله , و هذا  
يختلف باختلاف الأحوال , و لا تتعين أرض يكون مقام الإنسان فيها أفضل , و إنما  
يكون الأفضل في حق كل إنسان بحسب التقوى و الطاعة و الخشوع و الخضوع و الحضور ,  
و قد كتب أبو الدرداء إلى سلمان : هلم إلى الأرض المقدسة ! فكتب إليه سلمان :  
إن الأرض لا تقدس أحدا و إنما يقدس العبد عمله . و كان النبي صلى الله عليه  
وسلم قد آخى بين سلمان و أبي الدرداء . و كان سلمان أفقه من أبي الدرداء في  
أشياء من جملتها هذا . و قد قال الله تعالى لموسى عليه السلام : *( سأريكم دار  
الفاسقين )* و هي الدار التي كان بها أولئك العمالقة , ثم صارت بعد هذا دار  
المؤمنين , و هي الدار التي دل عليها القرآن من الأرض المقدسة , و أرض مصر التي  
أورثها الله بني إسرائيل , فأحوال البلاد كأحوال العباد فيكون الرجل تارة مسلما  
و تارة كافرا , و تارة مؤمنا و تارة منافقا , و تارة برا تقيا و تارة فاسقا , و  
تارة فاجرا شقيا . و هكذا المساكن بحسب سكانها , فهجرة الإنسان من مكان الكفر و  
المعاصي إلى مكان الإيمان و الطاعة كتوبته و انتقاله من الكفر و المعصية إلى  
الإيمان و الطاعة , و هذا أمر باق إلى يوم القيامة , و الله تعالى قال : *( و  
الذين آمنوا [ من بعد ] و هاجروا و جاهدوا معكم فأولئك منكم )* [ الأنفال : 75  
] . قالت طائفة من السلف : هذا يدخل فيه من آمن و هاجر و جاهد إلى يوم القيامة  
, و هكذا قوله تعالى : *( ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا و  
صبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم )* [ النحل : 110 ] <6> يدخل في معناها كل من  
فتنه الشيطان عن دينه أو أوقعه في معصية ثم هجر السيئات و جاهد نفسه و غيرها من  
العدو , و جاهد المنافقين بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر , و غير ذلك , و  
صبر على ما أصابه من قول أو فعل . و الله سبحانه و تعالى أعلم " . فأقول : هذه  
الحقائق و الدرر الفرائد من علم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله , يجهلها جهلا  
تاما أولئك الخطباء و الكتاب و الدكاترة المنكرون لشرع الله *( و هم يحسبون  
أنهم يحسنون صنعا )* , فأمروا الفلسطينيين بالبقاء في أرضهم و حرموا عليهم  
الهجرة منها , و هم يعلمون أن في ذلك فساد دينهم و دنياهم , و هلاك رجالهم و  
فضيحة نسائهم , و انحراف فتيانهم و فتياتهم , كما تواترت الأخبار بذلك عنهم  
بسبب تجبر اليهود عليهم , و كبسهم لدورهم و النساء في فروشهن , إلى غير ذلك من  
المآسي و المخازي التي يعرفونها , ثم يتجاهلونها تجاهل النعامة الحمقاء للصياد  
! فيا أسفي عليهم إنهم يجهلون , و يجهلون أنهم يجهلون , كيف لا و هم في القرآن  
يقرؤون : *( و لو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما  
فعلوه إلا قليل منهم )* ! و ليت شعري ماذا يقولون في الفلسطينيين الذين كانوا  
خرجوا من بلادهم تارة باسم لاجئين , و تارة باسم نازحين , أيقولون فيهم : إنهم  
كانوا من الآثمين , بزعم أنهم فرغوا أرضهم لليهود ?! بلى . و ماذا يقولون في  
ملايين الأفغانيين الذين هاجروا من بلدهم إلى ( بشاور ) مع أن أرضهم لم تكن  
محتلة من الروس احتلال اليهود لفلسطين ?! و أخيرا .. ماذا يقولون في البوسنيين  
الذين لجأوا في هذه الأيام إلى بعض البلاد الإسلامية و منها الأردن , هل يحرمون  
عليهم أيضا خروجهم , و يقول فيهم أيضا رأس الفتنة : " يأتون إلينا ? شو بساووا  
هون ?! " . إنه يجهل أيضا قوله تعالى : *( و الذين تبوءوا الدار و الإيمان من  
قبلهم يحبون من هاجر إليهم , و لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا و يؤثرون على  
أنفسهم و لو كان بهم خصاصة )* , أم هم كما قال تعالى في بعضهم : *( يحلونه عاما  
و يحرمونه عاما )* ?! 
        ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا    و يأتيك بالأنباء من لم تزود .

-----------------------------------------------------------
[1] متفق عليه , و هو مخرج في" الإرواء " ( 1057 )
[2] إسناده صحيح , و هو مخرج في " المشكاة " ( 2725 ) .
[3] رواه مسلم و غيره , و هو مخرج في " الإرواء " ( 1200 ) .
[4] قلت : و حسنه الترمذي , و صححه الحاكم و الذهبي , و هو مخرج في تعليقي على  
" المختارة " ( رقم 307 ) .
[5] بل هو مرفوع , كذلك رواه ابن حبان و غ