م يترك " . 

فتأمل كيف بين هذا الحديث ما أجمل في حديث أبي أمامة المتقدمة قبله ,  فذكر    
أن تسليط الذل ليس هو لمجرد الزرع و الحرث بل لما اقترن به من الإخلاد إليه     
و الانشغال به عن الجهاد في سبيل الله , فهذا هو المراد بالحديث , و أما الزرع  
الذي لم يقترن به شيء من ذلك فهو المراد بالأحاديث المرغبة في الحرث فلا تعارض  
بينها و لا إشكال .
12	قوله صلى الله عليه وسلم : 

" لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 17 :

رواه الترمذي ( 4 / 264 ) و أبو الشيخ في " الطبقات " ( 298 ) و أبو يعلى في    
" مسنده " ( 251 / 1 ) و الحاكم ( 4 / 222 ) و أحمد ( رقم 2589 , 4047 )        
و الخطيب ( 1 / 18 ) عن شمر بن عطية عن مغيرة بن سعد بن الأخرم عن أبيه عن   
# ابن مسعود # مرفوعا . 

و حسنه الترمذي , و قال الحاكم " صحيح الإسناد " , و وافقه الذهبي . 
ثم رواه أحمد ( رقم 4181 , 4174 ) من طريق أبي التياح عن ابن الأخرم رجل من طيء  
عن ابن مسعود مرفوعا بلفظ : " نهى عن التبقر في الأهل و المال " . 

و تابعه أبو حمزة قال : 
سمعت رجلا من طيىء يحدث عن أبيه عن عبد الله مرفوعا به . 

رواه البغوي في " حديث علي بن الجعد " ( ج 6 / 20 / 2 ) فزاد في السند عن أبيه  
و هو الصواب لرواية شمر كذلك . 

و له شاهد من رواية ليث عن نافع عن ابن عمر مرفوعا باللفظ الأول . 
أخرجه المحاملي في " الأمالي " ( 69 / 2 ) , و سنده حسن في الشواهد . 
و أورده الحافظ باللفظ الأول مجزوما به في شرح حديث أنس المتقدم في المقال  
السابق ثم قال : 
" قال القرطبي : يجمع بينه و بين حديث الباب بحمله على الاستكثار و الاشتغال 
به عن أمر الدين , و حمل حديث الباب على اتخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها    
و تحصيل توابعها " . 

قلت : و مما يؤيد هذا الجمع اللفظ الثاني من حديث ابن مسعود , فإن ( التبقر )  
التكثر و التوسع . و الله أعلم . 

و اعلم أن هذا التكثر المفضي إلى الانصراف عن القيام بالواجبات التي منها  
الجهاد في سبيل الله هو المراد بالتهلكة المذكورة في قوله تعالى ( و لا تلقوا  
بأيديكم إلى التهلكة ) و في ذلك نزلت الآية خلافا لما يظن كثير من الناس ! فقد  
قال أسلم أبو عمران :

" غزونا من المدينة , نريد القسطنطينية , ( و على أهل مصر عقبة بن عامر ) و على  
الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد , و الروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة ,  
فحمل رجل ( منا ) على العدو , فقال الناس : مه مه ! لا إله إلا الله ! يلقي  
بيديه إلى التهلكة ! فقال أبو أيوب الأنصاري : ( إنما تأولون هذه الآية هكذا  
أن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة , أو يبلي من نفسه ! ) إنما نزلت هذه الآية  
فينا معشر الأنصار , لما نصر الله نبيه و أظهر الإسلام قلنا ( بيننا خفيا من  
رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : هلم نقيم في أموالنا و نصلحها , فأنزل الله  
تعالى ( و أنفقوا في سبيل الله و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) فالإلقاء  
بالأيدي إلى التهلكة : أن نقيم في أموالنا و نصلحها و ندع الجهاد . 

قال أبو عمران : 
" فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية " .
13	" غزونا من المدينة نريد القسطنطينية ( و على أهل مصر عقبة بن عامر ) و على  
الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد و الروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة  
فحمل رجل ( منا ) على العدو , فقال الناس : مه مه ! لا إله إلا الله ! يلقي  
بيديه إلى التهلكة ! فقال أبو أيوب الأنصاري : ( إنما تأولون هذه الآية هكذا  
أن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة أو يبلي من نفسه ! ) إنما نزلت هذه الآية فينا  
معشر الأنصار لما نصر الله نبيه و أظهر الإسلام قلنا ( بيننا خفيا من رسول الله  
صلى الله عليه وسلم ) : هلم نقيم في أموالنا و نصلحها , فأنزل الله تعالى ( و  
أنفقوا في سبيل الله و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) فالإلقاء بالأيدي إلى  
التهلكة : أن نقيم في أموالنا و نصلحها و ندع الجهاد . 
قال أبو عمران : فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 19 : 

عن ( # أسلم أبو عمران # ) :

رواه أبو داود ( 1 / 393 ) و ابن أبي حاتم في " تفسيره " ( 1 / 10 / 2 )        
و الحاكم ( 2 / 275 ) و قال : " صحيح على شرط الشيخين " و وافقه الذهبي , 
و قد وهما , فإن الشيخين لم يخرجا لأسلم هذا , فالحديث صحيح فقط .
14	عن قزعة قال : 
أرسلني ابن عمر في حاجة , فقال : تعال حتى أودعك كما ودعني رسول الله 
صلى الله عليه وسلم و أرسلني في حاجة له فقال :

" أستودع الله دينك و أمانتك و خواتيم عملك " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 19 :

من أدبه صلى الله عليه وسلم عند التوديع :
--------------------------------------

فيه ثلاثة أحاديث : الأول عن ابن عمر , و له عنه طرق :

أ - عن قزعة قال : 
أرسلني #‎ابن عمر # في حاجة , فقال : تعال حتى أودعك كما ودعني رسول الله 
صلى الله عليه وسلم و أرسلني في حاجة له فقال : 
" أستودع الله دينك و أمانتك و خواتيم عملك " .

رواه أبو داود ( رقم 2600 ) و الحاكم ( 2 / 97 ) و أحمد ( 2 / 25 و 38 و 136 )  
و ابن عساكر ( 14 / 290 / 2 و 15 / 469 / 1 ) عن عبد العزيز بن عمر ابن عبد  
العزيز عنه . 

و رجاله ثقات , لكن اختلف فيه على عبد العزيز , فرواه بعضهم هكذا , و أدخل  
بعضهم بينه و بين قزعة رجلا سماه بعضهم " إسماعيل بن جرير " و سماه آخرون       
" يحيى بن إسماعيل بن جرير " , و قد ساق الحافظ ابن عساكر الروايات المختلفة 
في ذلك . 
و قال الحافظ في " التقريب " إن الصواب قول من قال : " يحيى بن إسماعيل " . 

قلت : و هو ضعيف , لكن يتقوى الحديث بالطرق الأخرى , و في رواية لابن عساكر :   
" كما ودعني رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأخذ بيدي يصافحني , ثم قال : "  
فذكره . 

ب - عن سالم أن ابن عمر كان يقول للرجل إذا أراد سفرا : ادن مني أودعك كما 
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعنا فيقول : فذكره . 

أخرجه الترمذي ( 2 / 255 طبع بولاق ) و أحمد ( 2 / 7 ) و عبد الغني المقدسي    
في " الجزء الثالث و الستون ( 41 / 1 ) " عن سعيد بن خثيم عن حنظلة عنه . 
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث سالم " . 

قلت : و هو على شرط مسلم غير أن سعيدا قد خولف في سنده , فرواه الحاكم 
( 1 / 442 و 2 / 97 ) عن إسحاق بن سليمان و الوليد بن مسلم عن حنظلة بن       
أبي سفيان عن القاسم بن محمد قال : 
كنت عند ابن عمر فجاءه رجل فقال : أردت سفرا , فقال : انتظر حتى أودعك :    
فذكره , و قال : 
" صحيح على شرط الشيخين " و وافقه الذهبي و هو كما قالا . 

و لعل الترمذي إنما استغربه من حديث سالم من أجل مخالفة هذين الثقتين : إسحاق  
ابن سليمان و الوليد بن مسلم لابن خثيم حيث جعله من رواية حنظلة عن سالم ,       
و جعلاه من رواية حنظلة عن القاسم بن محمد عنه . و لعله أصح . 
و أخرجه أبو يعلى في " مسنده " ( 270 / 2 ) من طريق الوليد بن مسلم وحده . 

ج - عن مجاهد قال : 
" خرجت إلى العراق أنا و رجل معي , فشيعنا عبد الله بن عمر , فلما أراد أن  
يفارقنا قال : إنه ليس معي ما أعطيكما ( كذا الأصل , و لعله : أعظكما ) ,       
و لكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا استودع الله شيئا حفظه ,   
و إني أستودع الله دينكما و أمانتكما , و خواتيم عملكما " . 

أخرجه ابن حبان في " صح