يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن " فأحط  
منهما في الصحة ( ! ) بل أنكر بعض أهل العلم صحته بالمرة كما حكى ابن جرير , و  
في سنده يحيى بن عبد الله بن بكير , و هو ممن لا يحتج به أبو حاتم , و قد ضعفه  
النسائي , لكن مشاه الجمهور و أولوا الحديث لمخالفة ظاهر معناه الكتاب و السنة  
و الإجماع - راجع فتح الباري ( 12 - 47 ) " . و الرد عليه من وجوه : الأول :  
أنه ليس أحط منهما في الصحة , بل هو أعلى منهما فيها , كيف لا و هو قد رواه  
سبعة من الصحابة و هم أبو هريرة و لحديثه وحده عشرة طرق عنه كما تقدم بيانه ! و  
ابن عباس , و عائشة , و ابن أبي أوفى , و ابن عمر , و عبد الله بن مغفل , و أبو  
سعيد الخدري . و أما حديث أبي ذر , فله عنه ثلاث طرق فقط , و له شاهد من حديث  
أبي الدرداء ضعفه البخاري , و آخر من حديث سلمة بن نعيم عند الإمام أحمد . و  
أما حديث عبادة , فله عنه ثلاث طرق أيضا , و لم أجد له شاهدا في المصادر  
المتوفرة لدي الآن . إذا عرفت هذا أيها القارىء الكريم يتبين لك بجلاء لا غموض  
فيه بطلان قول الكوثري إن حديث الترجمة أحط من الحديثين المشار إليهما في الصحة  
! إذ كيف يعقل ذلك و قد عرفت أنه أكثر منهما طرقا و شواهد ? و هذا القول منه في  
الحقيقة مما يؤكد أن الرجل - مع علمه - لا يوثق بأقواله , لأنه يتبع هواه  
فيدفعه إلى أن يهرف بما لا يعرف , أو إلى أن ينحرف عما يعرف , فيجعل المرجوح  
راجحا , أو المفضول فاضلا , و بالعكس , نسأل الله العافية . الثاني : هب أنه  
أحط منهما في الصحة , فذلك مما لا يقدح فيه عند أهل المعرفة بهذا العلم الشريف  
, ألا ترى أن الحديث الحسن لغيره أحط في الثبوت من الحسن لذاته , و هذا أحط في  
الصحة من الصحيح لغيره , و هذا أحط من الصحيح لذاته , و هكذا يقال في المشهور و  
المستفيض مع المتواتر كما هو ظاهر , و الكوثري لا يخفى عليه هذا , و لكنها  
المكابرة و اتباع الهوى الذي يحمله على الغمز في الحديث الصحيح لمخالفته لمذهبه  
, بل لهواه , كما يأتي بيانه ! الثالث : قوله : بل أنكر بعض أهل العلم صحته  
بالمرة كما حكى ابن جرير . فأقول : فيه تحريف خبيث لغاية في نفسه من المبالغة  
في تعظيم المنكر لصحة هذا الحديث , فإن نص كلام ابن جرير كما حكاه الحافظ عنه  
في المكان الذي أشار إليه الكوثري نفسه : " و أنكر بعضهم أن يكون صلى الله عليه  
وسلم قاله " . فقوله : " بعضهم " شرحه الكوثري بقوله : " بعض أهل العلم " . و  
هذا مما لا دليل عليه , فقد يكون المنكر الذي أشار إليه ابن جرير ليس عنده من  
أهل العلم الذين يستحقون أن يحشروا في زمرتهم , بل هو عنده من أهل الأهواء و  
البدع كالمرجئة و نحوهم , كما هو شأن الكوثري عندي , فتأمل كيف حرف هذا النقل  
عن ابن جرير لتضخيم شأن المنكر , مما يؤكد أنه لا يوثق بنقله عن العلماء , و كم  
له من مثله مما لا مجال الآن للإفاضة فيه . الرابع : قوله : و في سنده يحيى بن  
عبد الله بن بكير , و هو ممن لا يحتج به أبو حاتم ... إلخ . قلت : و هذا أسوأ  
ما في هذا التعليق من الجور و الطعن في الراوي الثقة , و في حديثه بدون حجة و  
لا بينه , و إليك البيان : أولا : لقد اعتمد في الطعن في ابن بكير على كلام أبي  
حاتم و النسائي , و هو يعلم أنه طعن غير مفسر , و أن مثله لا يقبل , لاسيما إذا  
كان وثقه الجمهور , و احتج به الشيخان , و لذلك قال الذهبي : " ثقة صاحب حديث و  
معرفة , يحتج به في " الصحيحين " ( ثم ذكر كلام أبي حاتم و النسائي فيه ثم قال  
: ) و وثقه غير واحد " . ثانيا : هب أن جرح من جرحه مقدم على توثيق من وثقه ,  
فلا يلزم أن يكون مجروحا في كل من روى عنهم , كما أن العكس غير لازم أيضا , أي  
لا يلزم من كون الراوي ثقة أن يكون ثقة في كل من روى عنهم , كما هو معلوم عند  
المشتغلين بهذا العلم , فقد يكون المجروح له نوع اختصاص ببعض الرواة و الحفظ  
لحديثهم فيكون ثقة في مثلهم , و هذا الحديث قد رواه ابن بكير عن الليث كما تقدم  
في أول هذا التخريج , و قد قال ابن عدي فيه : " كان جار الليث بن سعد , و هو  
أثبت الناس فيه , و عنده عن الليث ما ليس عند أحد " . و قد لاحظ الحافظ ابن حجر  
اختصاصه المذكور بالليث , فقال في " التقريب " : " ثقة في الليث , و تكلموا في  
سماعه من مالك " . فتأمل أيها القارىء الكريم كيف كتم الكوثري الاختصاص المذكور  
الذي لا يسمح مطلقا بجرح ابن بكير في روايته عن الليث خاصة , فما أجرأه على  
كتمان الحق , و التدليس على الناس . ثالثا : هب أنه مجروح مطلقا حتى في روايته  
عن الليث , فجرحه ليس لتهمة في نفسه , و إنما لضعف في حفظه يخشى أن يعرض له في  
بعض حديثه , و هذه الخشية منفية هنا , لأنه قد تابعه سعيد بن عفير قال : حدثني  
الليث به كما تقدم أيضا من رواية البخاري . و تابعه آخرون عند مسلم و غيره كما  
سبقت الإشارة إلى ذلك في مطلع هذا التخريج , فماذا يقال عن هذا الكوثري الذي  
تجاهل هذه المتابعات كلها و هي بين يديه و على مرأى منه , ثم كيف تجاهل الطرق  
الأخرى عن سائر الصحابة الذين تابعوا أبا هريرة رضي الله عنهم جميعا , لقد  
تجاهل الكوثري كل هذه الحقائق , ليوهم القارىء أن الحديث تفرد به ابن بكير و  
أنه متكلم فيه , و أن الحديث ضعيف , و هو صحيح مستفيض , إن لم نقل إنه متواتر .  
فالله تعالى يعامله بما يستحق , فما رأيت له شبها في قلب الحقائق و كتمانها إلا  
السقاف و الهدام ! رابعا : و لا يفيده شيء قوله : " لكن مشاه الجمهور " , لأنه  
من قبيل التضليل و التغطية لعورته ! لأنه إن كان معهم في تمشية حاله و الاحتجاج  
بحديثه , فلماذا نقل تضعيفه عن أبي حاتم و النسائي ?! و ما المراد من التعليق  
كله حينئذ ?! و لكن الحقيقة أن الكوثري يماري و يداري , و يتخذ لنفسه خط الرجعة  
إذا ما رد عليه أحد من أهل العلم ! خامسا : قوله : و أولوا الحديث ... إلخ .  
قلت : و ماذا في التأويل إذا كان المقصود منه التوفيق بين نصوص الشريعة , و هل  
هو أول حديث صحيح يؤول ?! فماذا يفعل الكوثري بقوله صلى الله عليه وسلم : " لا  
يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " ? متفق عليه . و قد مضى تخريجه رقم (  
73 ) و قوله : " والله لا يؤمن , والله لا يؤمن , والله لا يؤمن , الذي لا يأمن  
جاره بوائقه " . رواه البخاري . و الحقيقة أن الحديث و إن كان مؤولا , فهو حجة  
على الحنفية الذين لا يزالون مصرين على مخالفة السلف في قولهم بأن الإيمان لا  
يزيد و لا ينقص , فالإيمان عندهم مرتبة واحدة , فهم لا يتصورون إيمانا ناقصا ,  
و لذلك يحاول الكوثري رد هذا الحديث , لأنه بعد تأويله على الوجه الصحيح يصير  
حجة عليهم , فإن معناه : " و هو مؤمن إيمانا كاملا " . قال ابن بطال : " و حمل  
أهل السنة الإيمان هنا على الكامل , لأن العاصي يصير أنقص حالا في الإيمان ممن  
لا يعصي " . ذكره الحافظ ( 10 / 28 ) . و مثله ما نقله ( 12 / 49 ) عن الإمام  
النووي قال : " و الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه : لا يفعل هذه المعاصي و  
هو كامل الإيمان , هذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء , و المراد نفي  
كماله , كما يقال : لا علم إلا ما نفع , و لا مال إلا ما نيل , و لا عيش إلا  
عيش الآخرة " . ثم أيده الحافظ في بحث طويل ممتع , فراجعه . و من الغرائب أن  
الشيخ 