دقك و هو كذوب " , فكيف يجوز مع ذلك أن نرد حديث الثقة لمجرد مشابهته لحديث  
الضعيف ?‎! بل العكس هو الصواب : أن نقبل من حديث الضعيف ما يشبه حديث الثقة 
و يوافقه . بل إن الراوي المجهول حفظه و ضبطه لا يعرف ذلك منه إلا بعرضه على  
أحاديث الثقات , فما وافقها من حديثه قبل , و ما عارضه و خالفه ترك . و هذا علم  
معروف في " مصطلح الحديث " . 

و مما يؤيد صحة هذا الحديث , و أن أبا بكر الحنفي قد حفظه , و ليس هو من حديث  
عبد الله بن سعيد وحده , أن الإمام مالك قال في " الموطأ " ( 2 / 940 / 5 ) : 
" عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا  
مرض العبد بعث الله تعالى إليه ملكين , فقال : انظروا ماذا يقول لعواده , فإن  
هو إذا جاؤوه حمد الله و أثنى عليه , رفعا ذلك إلى الله عز و جل - و هو أعلم -  
فيقول : لعبدي علي إن توفيته أن أدخله الجنة , و إن أنا شفيته أن أبدل له لحما  
خيرا من لحمه , و دما خيرا من دمه , و أن أكفر عنه سيئاته " . 

و هذا سند مرسل صحيح , فهو شاهد قوي لحديث أبي بكر الحنفي الموصول و الحمد لله  
على توفيقه . 

ثم رأيته موصولا عن مالك , أخرجه أبو الحسين الأبنوسي في " جزء فيه فوائد عوال  
حسان منتقاة غرائب " ( 3 / 2 ) : أخبرنا علي ( هو الدارقطني ) قال : حدثنا 
أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث إملاء سنة ست عشرة و ثلاثمائة قال :  
حدثنا علي بن محمد الزياداباذي قال : حدثنا معن بن عيسى قال : حدثنا مالك عن  
سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه 
وسلم :و قال : " قال الدارقطني : تفرد به علي بن محمد عن معن عن مالك , و ما  
نكتبه إلا عن ابن أبي داود " . 

قلت : لكن الزباداباذي هذا كأنه مجهول , فقد أورده السمعاني في هذه النسبة , 
و ذكر أنه روى عنه جماعة ( و في النسخة سقط ) و لم يحك فيه جرحا و لا تعديلا .  
و أورده في " الميزان " و تبعه في " اللسان " من أجل هذا الحديث و قال : 
" و أشار الدارقطني في " غرائب مالك " إلى لينه . و أنه تفرد عن معن عن مالك به  
و قال : إنما هو في " الموطأ " بسند منقطع عن غير سهيل " .
273	" أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا , و بيت في وسط  
الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا , و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلق " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 491 :

رواه أبو داود في سننه ( 4800 ) : حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي أبو الجماهر 
قال : حدثنا أبو كعب أيوب بن محمد السعدي قال : حدثني سليمان بن حبيب المحاربي  
عن # أبي أمامة # مرفوعا . 

قلت : و هذا سند رجاله ثقات معروفون غير أيوب بن محمد السعدي , كذا وقع في  
رواية أبي داود , قال الحافظ في " التهذيب " : 
" و رواه أبو زرعة الدمشقي و يزيد بن محمد بن عبد الصمد , و هارون بن أبي جميل  
و أبو حاتم و غيرهم عن أبي الجماهر فقالوا : " أيوب بن موسى " . قال ابن عساكر  
: و هو الصواب " . 

قلت : رواية هارون بن أبي جميل , أخرجها ابن عساكر في ترجمته من " تاريخ دمشق "  
( 17 / 493 / 1 ) لكن وقع في نسختنا منه " حدثنا أبو أيوب بن موسى " فالظاهر  
أنه سقط منها " كعب " فإنه أبو كعب أيوب بن موسى . 
و في اسمه اختلاف آخر , فقد رواه الدولابي في " الكنى " ( 2 / 133 ) هكذا : 
حدثنا عبد الصمد بن عبد الوهاب - صعيد - قال : حدثنا محمد بن عثمان أبو الجماهر  
قال : حدثنا أبو موسى كعب السعدي عن سليمان بن حبيب - دون الفقرة الوسطى و ليس  
هذا خطأ مطبعيا أو من بعض النساخ , فإن الدولابي أورده في " باب من كنيته موسى  
" ثم سرد من يكنى بذلك من الرواة فقال " ... و أبو موسى كعب السعدي عن سليمان  
بن حبيب , روى عنه محمد بن عثمان أبو الجماهر " . 

و على كل حال فالصواب كما قال ابن عساكر " أيوب بن موسى " لاتفاق الجماعة عليه  
ثم هو قد أورده الذهبي في " الميزان " فقال : 
" روى عنه أبو الجماهر وحده لكنه وثقه " . 

قلت : و سكت عنه ابن أبي حاتم ( 1 / 1 / 258 ) و قال الحافظ في " التقريب " : 
" صدوق " . و لا يطمئن القلب لذلك لتفرد أبي الجماهر عنه , بل هو بوصف الجهالة  
أولى كما تقتضيه القواعد الحديثية أن الراوي لا ترتفع عنه الجهالة برواية  
الواحد . 

لكن للحديث شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن على أقل الأحوال . فمنها حديث 
ابن عباس و لفظه : 
" أنا الزعيم ببيت في رياض الجنة , و بيت في أعلاها , و بيت في أسفلها , لمن  
ترك الجدل و هو محق , و ترك الكذب و هو لاعب , و حسن خلقه " . 
رواه الطبراني في " المعجم الكبير " ( 3 / 116 / 1 ) من طريق سويد أبي حاتم ,  
أنبأنا عبد الملك - رواية عطاء - عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا . 

قلت : و هذا سند ضعيف من أجل سويد هذا و هو ابن إبراهيم , أورده الذهبي في 
" الضعفاء " و قال : 
" ضعفه النسائي " . و قال الحافظ في " التقريب " . 
" صدوق سيء الحفظ , له أغلاط , و قد أفحش ابن حبان فيه القول " . 
و قال الهيثمي بعد أن عزاه للطبراني ( 8 / 23 ) : 
" و فيه أبو حاتم سويد بن إبراهيم ضعفه الجمهور , و وثقه ابن معين , و بقية  
رجاله رجال الصحيح " . 

قلت : لو قال : " و وثقه ابن معين في رواية " لكان أقرب إلى الصواب فقد قال 
أبو داود : " سمعت يحيى بن معين يضعفه " . 
فابن معين في هذه الرواية يلتقي مع الجمهور , فهي أولى بالقبول . 
و أما قول الهيثمي في مكان آخر ( 1 / 157 ) : 
" و إسناده حسن إن شاء الله تعالى " . 
فتساهل منه لا يخفى , بل إن هذا الحديث ليدل على ضعفه , فإنه قد خلط في هذا  
الحديث و أفسد معناه , فإن المعروف في حديث غيره توزيع هذه المنازل الثلاث ,  
على ثلاثة أشخاص , و في ذلك أحاديث عن أبي أمامة و أنس بن مالك و قد اتفقا على  
أن البيت الذي في أعلى الجنة لمن حسن خلقه , على خلاف هذا , فإنه جعل له البيت  
الذي في أسفلها , هذا إن اعتبرنا الترتيب المذكور فيه من قبيل لف و نشر مرتب . 
ثم اختلف الحديثان المشار إليهما في البيتين الآخرين فحديث أبي أمامة جعل البيت  
في ربض الجنة لمن ترك المراء و هو محق , و البيت في وسطها لمن ترك الكذب , 
و عكس ذلك حديث أنس , فأردنا أن نرجح أحدهما على الآخر بشاهد , فلم نجد أصلح من  
هذا إسنادا , و قد علمت ما في متنه من الفساد في المعنى . 
نعم وجدنا حديثا آخر يصلح شاهدا لحديث أبي أمامة , و هو ما أخرجه الطبراني في 
" المعجم الصغير " ( ص 166 ) و في المعجمين الآخرين من طريق محمد بن الحصين  
القصاص , حدثنا عيسى بن شعيب عن روح بن القاسم عن زيد بن أسلم عن مالك بن عامر  
عن معاذ بن جبل مرفوعا بلفظ : 
" أنا زعيم ببيت في ربض الجنة , و بيت في وسط الجنة , و بيت في أعلى الجنة لمن  
ترك المراء و إن كان محقا , و ترك الكذب و إن كان مازحا , و حسن خلقه " . 
و قال الطبراني : 
" لم يروه عن روح إلا عيسى تفرد به ابن الحصين " . 

قلت : و لم أجد من ترجمه . 
و عيسى بن شعيب و هو النحوي قال الحافظ في " التقريب " . 
" صدوق له أوهام " . 
و قال الهيثمي في " المجمع " ( 8 / 23 ) : 
" رواه الطبراني في الثلاثة و البزار , و في إسناد الطبراني محمد بن الحصين 
و لم أعرفه , و الظاهر أنه التميمي و هو ثقة , و بقية رجاله ثقات " . 

قلت : و ما استظهره بعيد عندي , فإن ابن الحصين هذا في طبقة الإمام أحمد ,  
و أما التميمي فمن أتباع التابعين , جعله الحافظ من الطبقة السادسة التي عاصرت