 صحيح على شرط الشيخين , و قول ابن مسعود  
ليس نصا في تخطئته لحذيفة في روايته للفظ الحديث , بل لعله خطأه في استدلاله به  
على العكوف الذي أنكره حذيفة , لاحتمال أن يكون معنى الحديث عند ابن مسعود : لا  
اعتكاف كاملا , كقوله صلى الله عليه وسلم : " لا إيمان لمن لا أمانة له , و لا  
دين لمن لا عهد له " و الله أعلم . ثم رأيت الطحاوي قد أخرج الحديث في " المشكل  
" ( 4 / 20 ) من الوجه المذكور , و ادعى نسخه ! و كذلك رواه عبد الرزاق في "  
المصنف " ( 4 / 348 / 8016 ) و عنه الطبراني ( 9 / 350 / 9511 ) عن ابن عيينة  
به إلا أنه لم يصرح برفعه . و رواه سعيد ابن منصور : أخبرنا سفيان بن عيينة به  
, إلا أنه شك في رفعه و اختصره فقال : .. عن شقيق بن سلمة قال : قال حذيفة لعبد  
الله بن مسعود : قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا اعتكاف  
إلا في المساجد الثلاثة , أو قال : مسجد جماعة " . ذكره عنه ابن حزم في "  
المحلى " ( 5 / 195 ) , ثم رد الحديث بهذا الشك . و هو معذور لأنه لم يقف على  
رواية الجماعة عن ابن عيينة مرفوعا دون أي شك , و هم : 1 - محمد بن الفرج , عند  
الإسماعيلي . 2 - محمود بن آدم المروزي , عند البيهقي . 3 - هشام بن عمار , عند  
الطحاوي . و كلهم ثقات , و هذه تراجمهم نقلا من " التقريب " : 1 - و هو القرشي  
مولاهم البغدادي , صدوق من شيوخ مسلم . 2 - صدوق من شيوخ البخاري فيما ذكر ابن  
عدي . 3 - صدوق مقرىء كبر فصار يتلقن , فحديثه القديم أصح , من شيوخ البخاري  
أيضا . قلت : فموافقته للثقتين اللذين قبله دليل على أنه قد حفظه , فلا يضرهم  
من تردد في رفعه أو أوقفه , لأن الرفع زيادة من ثقات يجب قبولها . ثم رأيت  
الفاكهي قد أخرجه في " أخبار مكة " ( 2 / 149 / 1334 ) : حدثنا سعيد بن عبد  
الرحمن و محمد بن أبي عمر قالا : حدثنا سفيان به . إلا أنهما لم يشكا , و هذه  
فائدة هامة . و هما ثقتان أيضا . و بالجملة , فاتفاق هؤلاء الثقات الخمسة على  
رفع الحديث دون أي تردد فيه لبرهان قاطع على أن الحديث من قوله صلى الله عليه  
وسلم , و أن تردد سعيد بن منصور في رفعه لا يؤثر في صحته , و لاسيما أن سياق  
القصة يؤكد ذلك عند إمعان النظر فيها , ذلك لأن حذيفة رضي الله عنه ما كان  
لينكر بمجرد رأيه على ابن مسعود رضي الله عنه سكوته عن أولئك المعتكفين في  
المساجد بين الدور , و هو يعلم فضله و فقهه رضي الله عنهما , فلولا أن الحديث  
عنده مرفوع لما تجرأ على الإنكار عليه بما لا تقوم الحجة به عليه , حتى رواية  
عبد الرزاق الموقوفة تؤيد ما ذكرته , فإنها بلفظ : " قوم عكوف بين دارك و دار  
أبي موسى لا تنهاهم ! فقال به عبد الله : فلعلهم أصابوا و أخطأت , و حفظوا و  
نسيت ! فقال : حذيفة : لا اعتكاف إلا في هذه المساجد الثلاثة .. " فذكرها . و  
مثلها رواية إبراهيم قال : " جاء حذيفة إلى عبد الله فقال : ألا أعجبك من قومك  
عكوف بين دارك و دار الأشعري , يعني المسجد ! قال عبد الله : و لعلهم أصابوا و  
أخطأت , فقال حذيفة : أما علمت أنه : لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد . ( فذكرها  
) , و ما أبالي أعتكف فيه أو في سوقكم هذه [ و كان الذين اعتكفوا - و عاب عليهم  
حذيفة - في مسجد الكوفة الأكبر ] " . أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 3 /  
91 ) و السياق له , و كذا عبد الرزاق ( 4 / 347 - 348 ) و الزيادة له , و عنه  
الطبراني ( 9510 ) و رجاله ثقات رجال الشيخين غير أن إبراهيم - و هو النخعي -  
لم يدرك حذيفة . فاحتجاج حذيفة على ابن مسعود بهذه الجملة " لا اعتكاف " يشعر  
بأنها في موضع الحجة عنده , و إلا لم يقل له : " أما علمت.. " إلخ . و الله  
أعلم . و اعلم أن العلماء اختلفوا في شرطية المسجد للاعتكاف و صفته كما تراه  
مبسوطا في " المصنفين " المذكورين و " المحلى " و غيرهما , و ليس في ذلك ما يصح  
الاحتجاج به سوى قوله تعالى : *( و أنتم عاكفون في المساجد )* , و هذا الحديث  
الصحيح , و الآية عامة , و الحديث خاص , و مقتضى الأصول أن يحمل العام على  
الخاص , و عليه فالحديث مخصص للآية و مبين لها , و عليه يدل كلام حذيفة و حديثه  
, و الآثار في ذلك مختلفة أيضا , فالأولى الأخذ بما وافق الحديث منها كقول سعيد  
بن المسيب : لا اعتكاف إلا في مسجد نبي . أخرجه ابن أبي شيبة و ابن حزم بسند  
صحيح عنه . ثم رأيت الذهبي قد روى الحديث في " سير أعلام النبلاء " ( 15 / 80 )  
من طريق محمود بن آدم المروزي : حدثنا سفيان به مرفوعا , و قال : " صحيح غريب  
عال " . و علق عليه الشيخ شعيب بعد ما عزاه للبيهقي و سعيد بن منصور بقوله : "  
و قد انفرد حذيفة بتخصيص الاعتكاف في المساجد الثلاثة " ! و هذا يبطله قول ابن  
المسيب المذكور , فتنبه . على أن قوله هذا يوهم أن الحديث موقوف على حذيفة , و  
ليس كذلك كما سبق تحقيقه , فلا تغتر بمن لا غيرة له على حديث رسول الله صلى  
الله عليه وسلم أن يخالف , و الله عز وجل يقول : *( فليحذر الذين يخالفون عن  
أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )* . هذا , و قد كنت أوردت هذا الحديث  
في رسالتي " قيام رمضان " ( 36 ) و خرجته باختصار , مصرحا بصحة إسناده عن حذيفة  
رضي الله عنه , و أحلت في تفصيل ذلك إلى هذا الموضع من هذه السلسلة . ثم جاءني  
بعد سنين تحرير بتاريخ ( 13 / 7 / 1413 هـ ) - و هذا المجلد تحت الطبع - من أحد  
إخواننا المحبين في الله و في الغيب المشتغلين بهذا العلم الشريف كما بدا لي من  
خطابه , و فيه نقد منه لثلاثة أحاديث كنت صححتها في بعض مؤلفاتي منها هذا  
الحديث , فاهتبلتها فرصة لبيان أنه لم يصب كبد الحقيقة في إعلاله إياه من جميع  
طرقه , معترفا بأنه كان أديبا في كتابته , لطيفا في نقده , زد على ذلك أنه صرح  
في آخر رسالته أنه فعل ذلك للاستفادة مني و من بعض إخواني فجزاه الله خيرا على  
تواضعه , و إحسانه الظن بإخوانه . لقد تتبع الأخ - جزاه الله خيرا - طرق الحديث  
من مصادر كثيرة طالتها يده , و بين عللها , و سبق أن أشرت إلى بعضها , و لذلك  
فلن أطيل الكلام إلا في بعض النقاط الأساسية , لم يوفق هو للصواب في معالجتها ,  
فكانت النتيجة - مع الأسف - تضعيف الحديث الصحيح , فأقول : النقطة الأولى : ضعف  
طريق البيهقي بمحمود بن آدم المروزي بقوله : " لم يوثقه غير ابن حبان , و ما  
ذكر أن البخاري أخرج له , فقد رده الحافظ في " هدي الساري " ( ص 239 ) " . و  
الرد على هذا من وجهين : الأول : أن رد تفرد ابن حبان بتوثيق راو ما , لا يعني  
أنه رد مقبول , خلافا لما يظنه أخونا هذا و غيره من الناشئين , و إنما ذلك إذا  
وثق مجهولا عند غيره , أو أنه لم يرو عنه إلا واحد أو اثنان , ففي هذه الحالة  
يتوقف عن قبول توثيقه , و إلا فهو في كثير من الأحيان يوثق شيوخا له يعرفهم  
مباشرة , أو شيخا من شيوخهم , فهو في هذه الحالة أو التي قبلها إنما يوثق على  
معرفة منه به , أو بواسطة شيوخه كما هو ظاهر , و محمود المروزي من هذا القبيل ,  
فإن ابن حبان لما أورده في " الثقات " ( 9 / 202 - 203 ) قال : " حدثنا عنه  
المراوزة " . فقد روى عنه جمع , فإذا رجع الباحث إلى " التهذيب " وجد فيه أسماء  
عشرة من الذين رووا عن محمود هذا , أكثرهم من كبار الحفاظ الثقات طبعا ,  
كالإمام البخاري كما تقدم و أحمد بن حمدون الأعمشي , و محمد بن حمدويه , و محمد  
بن عبد الرحم