  
( طليعة " استحالة دخول الجان بدن الإنسان " ) ! لمؤلفه ( أبو عبد الرحمن إيهاب  
بن حسين الأثري ) - كذا الأثري موضة العصر ! - و هذا العنوان وحده يغني القارئ  
اللبيب عن الاطلاع على ما في الكتاب من الجهل و الضلال , و الانحراف عن الكتاب  
و السنة , باسم الكتاب و السنة و وجوب الرجوع إليهما , فقد عقد فصلا في ذلك , و  
فصلا آخر في البدعة و ذمها و أنها على عمومها , بحيث يظن من لم يتتبع كلامه و  
ما ينقله عن العلماء في تأييد ما ذهب إليه من الاستحالة أنه سلفي أو أثري - كما  
انتسب - مائة في المائة ! و الواقع الذي يشهد به كتابه أنه خلفي معتزلي من أهل  
الأهواء , يضاف إلى ذلك أنه جاهل بالسنة و الأحاديث , إلى ضعف شديد باللغة  
العربية و آدابها , حتى كأنه شبه عامي , و مع ذلك فهو مغرور بعلمه , معجب بنفسه  
, لا يقيم وزنا لأئمة السلف الذين قالوا بخلاف عنوانه كالإمام أحمد و ابن تيمية  
و ابن القيم , و الطبري و ابن كثير و القرطبي , و الإمام الشوكاني و صديق حسن  
خان القنوجي , و يرميهم بالتقليد ! على قاعدة ( رمتني بدائها و انسلت ) , الأمر  
الذي أكد لي أننا في زمان تجلت فيه بعض أشراط الساعة التي منها قوله صلى الله  
عليه وسلم : " و ينطق فيها الرويبضة . قيل : و ما الرويبضة ? قال : الرجل  
التافه يتكلم في أمر العامة " <2> . و نحوه قول عمر رضي الله عنه : " فساد  
الدين إذا جاء العلم من الصغير , استعصى عليه الكبير , و صلاح الناس إذا جاء  
العلم من قبل الكبير , تابعه عليه الصغير " <3> . و ما أكثر هؤلاء ( الصغار )  
الذين يتكلمون في أمر المسلمين بجهل بالغ , و ما العهد عنا ببعيد ذاك المصري  
الآخر الذي ألف في تحريم النقاب على المسلمة ! و ثالث أردني ألف في تضعيف قوله  
صلى الله عليه وسلم : " عليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين " , و في حديث  
تحريم المعازف , المجمع على صحتهما عند المحدثين , و غيرهم و غيرهم كثير و كثير  
!! و إن من جهل هذا ( الأثري ) المزعوم و غباوته أنه رغم تقريره ( ص 71 و 138 )  
أن : " منهج أهل السنة و الجماعة التوقف في المسائل الغيبية عندما ثبت عن رسول  
الله صلى الله عليه وسلم , و أنه ليس لأحد مهما كان شأنه أن يضيف تفصيلا , أو  
أن ينقص ما ثبت بالدليل , أو أن يفسر ظاهر الآيات وفق هواه , أو بلا دليل " .  
أقول : إنه رغم تقريره لهذا المنهج الحق الأبلج , فإنه لم يقف في هذه المسألة  
الغيبية عند حديث الترجمة الصحيح . بل خالفه مخالفة صريحة لا تحتاج إلى بيان ,  
و كنت أظن أنه على جهل به , حتى رأيته قد ذكره نقلا عن غيره ( ص 4 ) من الملحق  
بآخر كتابه , فعرفت أنه تجاهله , و لم يخرجه مع حديث يعلى و غيره مما سبقت  
الإشارة إليه ( ص 1002 ) . و كذلك لم يقدم أي دليل من الكتاب و السنة على ما  
زعمه من الاستحالة , بل توجه بكليته إلى تأويل قوله تعالى المؤيد للدخول الذي  
نفاه : *( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من  
المس )* تأويلا ينتهي به إلى إنكار ( المس ) - الذي فسره العلماء بالجنون - و  
إلى موافقة بعض الأشاعرة و المعتزلة ! الذين فسروا ( المس ) بوسوسة الشيطان  
المؤذية ! و هذا تفسير بالمجاز , و هو خلاف الأصل , و لذلك أنكره أهل السنة كما  
سيأتي , و هو ما صرح به نقلا عن الفخر الرازي الأشعري ( ص 76 و 78 ) : " كأن  
الشيطان يمس الإنسان فيجن " ! و نقل ( ص 89 ) عن غيره أنه قال : " كأن الجن مسه  
" ! و عليه خص المس هذا بمن خالف شرع الله , فقال ( ص 22 ) : " و ما كان ليمس  
أحد ( كذا غير منصوب ! ) <4> إلا بالابتعاد عن النهج المرسوم " ! و لو سلمنا  
جدلا أن الأمر كما قال , فلا يلزم منه عند العلماء ثبوت دعوى النفي , لإمكان  
وجود دليل آخر على الدخول كما في هذا الحديث الصحيح , بينما توهم الرجل أنه  
برده دلالة الآية على الدخول ثبت نفيه إياه , و ليس الأمر كذلك لو سلمنا برده ,  
فكيف و هو مردود عليه بهذا الحديث الصحيح , و بحديث يعلى المتقدم و بهما تفسر  
الآية , و يبطل تفسيره إياها بالمجاز . و من جهل الرجل و تناقضه أنه بعد أن فسر  
الآية بالمجاز الذي يعني أنه لا ( مس ) حقيقة , عاد ليقول ( ص 93 ) : " و اللغة  
أجمعت على أن المس : الجنون " . و لكنه فسره على هواه فقال : أي من الخارج لا  
من الداخل , قال : " ألا ترى مثلا إلى الكهرباء و كيف تصعق المماس لها من  
الخارج ... " إلخ هرائه . فإنه دخل في تفاصيل تتعلق بأمر غيبي قياسا على أمور  
مشاهدة مادية , و هذا خلاف المنهج السلفي الذي تقدم نقله عنه , و مع ذلك فقد  
تعامى عما هو معروف في علم الطب أن هناك جراثيم تفتك من الداخل كجرثومة ( كوخ )  
في مرحلته الثالثة ! فلا مانع عقلا أن تدخل الجان من الخارج إلى بدن الإنسان ,  
و تعمل عملها و أذاها فيه من الداخل , كما لا مانع من خروجها منه بسبب أو آخر ,  
و قد ثبت كل من الأمرين في الحديث فآمنا به , و لم نضربه كما فعل المعتزلة و  
أمثالهم من أهل الأهواء , و هذا المؤلف ( الأثري ) - زعم - منهم . كيف لا و قد  
تعامى عن حديث الترجمة , فلم يخرجه البتة في جملة الأحاديث الأخرى التي خرجها و  
ساق ألفاظها من ( ص 111 ) إلى ( ص 126 ) - و هو صحيح جدا - كما رأيت , و هو إلى  
ذلك لم يأخذ من مجموع تلك الأحاديث ما دل عليه هذا الحديث من إخراجه صلى الله  
عليه وسلم للشيطان - من ذاك المجنون - , و هي معجزة عظيمة من معجزاته صلى الله  
عليه وسلم , بل نصب خلافا بين رواية " اخرج عدو الله " و رواية " اخسأ عدو الله  
" , فقد أورد على نفسه ( ص 124 ) قول بعضهم : " إن الإمام الألباني قد صحح  
الحديث " , فعقب بقوله : " فهذا كذب مفترى , انظر إلى ما قاله الشيخ الألباني  
لتعلم الكذب : المجلد الأول من سلسلته الصحيحة ص 795 ح 485 " . ثم ساق كلامي  
فيه , و نص ما في آخره كما تقدم : " و بالجملة فالحديث بهذه المتابعات جيد . و  
الله أعلم " . قلت : فتكذيبه المذكور غير وارد إذن , و لعل العكس هو الصواب ! و  
قد صرح هو بأنه ضعيف دون أي تفصيل ( ص 22 ) , و اغتر به البعض ! نعم , لقد شكك  
في دلالة الحديث على الدخول بإشارته إلى الخلاف الواقع في الروايات , و قد ذكرت  
لفظين منها آنفا . و لكن ليس يخفى على طلاب هذا العلم المخلصين أنه ليس من  
العلم في شيء أن تضرب الروايات المختلفة بعضها ببعض , و إنما علينا أن نأخذ  
منها ما اتفق عليه الأكثر , و إن مما لا شك فيه أن اللفظ الأول : " اخرج " أصح  
من الآخر " اخسأ " , لأنه جاء في خمس روايات من الأحاديث التي ساقها , و اللفظ  
الآخر جاء في روايتين منها فقط ! على أني لا أرى بينهما خلافا كبيرا في المعنى  
, فكلاهما يخاطب بهما شخص , أحدهما صريح في أن المخاطب داخل المجنون , و الآخر  
يدل عليه ضمنا . و إن مما يؤكد أن الأول هو الأصح صراحة حديث الترجمة الذي  
سيكون القاضي بإذن الله على كتاب " الاستحالة " المزعومة , مع ما تقدم من  
البيان أنها مجرد دعوى في أمر غيبي مخالفة للمنهج الذي سبق ذكره . و لابد لي  
قبل ختم الكلام على هذا الموضوع أن أقدم إلى القراء الكرام و لو مثالا واحد على  
الجهل بالسنة الذي وصفت به الرجل فيما تقدم , و لو أنه فيما سلف كفاية للدلالة  
على ذلك ! لقد ذكر الحديث المشهور في النهي عن اتباع سنن الكفار بلفظ لا