 داود أيضا عنه قال : جاء رجل إلى العباس فقال : أرأيت الغيطلة -  
كاهنة بني سهم - في النار مع عبد المطلب ? فسكت : ثم قال : أرأيت الغيطلة .. ,  
فوجأ العباس أنفه , فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فقال رسول الله صلى  
الله عليه وسلم : " ما بال أحدكم يؤذي أخاه في الأمر و إن كان حقا ?! " و كذا  
رواه ابن سعد في " الطبقات " ( 4 / 24 - 25 ) بأتم منه . و الحديث أخرجه  
الجورقاني <1> في " الأباطيل و المناكير " ( 1 / 235 ) من طريق أخرى عن داود بن  
أبي هند في جملة أحاديث أخرى تدل كلها - كهذا - على أن من مات في الجاهلية  
مشركا فهو في النار , و ليس من أهل الفترة كما يظن كثير من الناس , و بخاصة  
الشيعة منهم , و من تأثر بهم من السنة ! و من تلك الأحاديث , ما رواه حماد بن  
سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلا قال : يا رسول الله أين أبي ? قال : في النار .  
فلما قفى دعاه , فقال : فذكر حديث الترجمة حرفا بحرف . أخرجه مسلم ( 1 / 132 -  
133 ) و أبو عوانة ( 1 / 99 ) و أبو داود ( 4718 ) و الجورقاني ( 1 / 233 ) و  
صححه , و أحمد ( 3 / 268 ) و أبو يعلى ( 6 / 229 / 3516 ) و ابن حبان ( 578 -  
الإحسان ) و البيهقي ( 7 / 190 ) من طرق عن حماد بن سلمة به . و منها سعد بن  
أبي وقاص المتقدم في المجلد الأول برقم ( 18 ) بلفظ : " حيثما مررت بقبر كافر  
فبشره بالنار " . فراجع سببه هناك , فإنه بمعنى حديث الترجمة لمن تأمله . و إن  
مما يتصل بهذا الموضوع قوله صلى الله عليه وسلم لما زار قبر أمه : " استأذنت  
ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي , و استأذنته في أن أزور قبرها , فأذن لي ..  
" الحديث . رواه مسلم و غيره , و هو مخرج في " أحكام الجنائز " ( ص 187 - 188 )  
من حديث أبي هريرة و بريدة , فليراجعهما من شاء . و الأحاديث في هذا الباب  
كثيرة , و فيما ذكرنا خير كبير و بركة . و اعلم أيها الأخ المسلم أن بعض الناس  
اليوم و قبل اليوم لا استعداد عندهم لقبول هذه الأحاديث الصحيحة , و تبني ما  
فيها من الحكم بالكفر على والدي الرسول صلى الله عليه وسلم , بل إن فيهم من يظن  
أنه من الدعاة إلى الإسلام ليستنكر أشد الاستنكار التعرض لذكر هذه الأحاديث و  
دلالتها الصريحة ! و في اعتقادي أن هذا الاستنكار إنما ينصب منهم على النبي صلى  
الله عليه وسلم الذي قالها إن صدقوا بها . و هذا - كما هو ظاهر - كفر بواح , أو  
على الأقل : على الأئمة الذين رووها و صححوها , و هذا فسق أو كفر صراح , لأنه  
يلزم منه تشكيك المسلمين بدينهم , لأنه لا طريق لهم إلى معرفته و الإيمان به ,  
إلا من طريق نبيهم صلى الله عليه وسلم كما لا يخفى على كل مسلم بصير بدينه ,  
فإذا لم يصدقوا بها لعدم موافقتها لعواطفهم و أذواقهم و أهوائهم - و الناس في  
ذلك مختلفون أشد الاختلاف - كان في ذلك فتح باب عظيم جدا لرد الأحاديث الصحيحة  
, و هذا أمر مشاهد اليوم من كثير من الكتاب الذين ابتلي المسلمون بكتاباتهم  
كالغزالي و الهويدي و بليق و ابن عبد المنان و أمثالهم ممن لا ميزان عندهم  
لتصحيح الأحاديث و تضعيفها إلا أهواؤهم ! و اعلم أيها المسلم - المشفق على دينه  
أن يهدم بأقلام بعض المنتسبين إليه - أن هذه الأحاديث و نحوها مما فيه الإخبار  
بكفر أشخاص أو إيمانهم , إنما هو من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها و  
تلقيها بالقبول , لقوله تعالى : *( ألم . ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين .  
الذين يؤمنون بالغيب )* ( البقرة : 1 - 3 ) و قوله : *( و ما كان لمؤمن و لا  
مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم .. )* ( الأحزاب  
: 36 ) , فالإعراض عنها و عدم الإيمان بها يلزم منه أحد أمرين لا ثالث لهما - و  
أحلاهما مر - : إما تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم , و إما تكذيب رواتها  
الثقات كما تقدم . و أنا حين أكتب هذا أعلم أن بعض الذين ينكرون هذه الأحاديث  
أو يتأولونها تأويلا باطلا كما فعل السيوطي - عفا الله عنا و عنه - في بعض  
رسائله , إنما يحملهم على ذلك غلوهم في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم , و  
حبهم إياه , فينكرون أن يكون أبواه صلى الله عليه وسلم كما أخبر هو نفسه عنهما  
, فكأنهم أشفق عليهما منه صلى الله عليه وسلم !! و قد لا يتورع بعضهم أن يركن  
في ذلك إلى الحديث المشهور على ألسنة بعض الناس الذي فيه أن النبي صلى الله  
عليه وسلم أحيا الله له أمه , و في رواية : أبويه , و هو حديث موضوع باطل عند  
أهل العلم كالدارقطني و الجورقاني , و ابن عساكر و الذهبي و العسقلاني , و  
غيرهم كما هو مبين في موضعه , و راجع له إن شئت كتاب " الأباطيل و المناكير "  
للجورقاني بتعليق الدكتور عبد الرحمن الفريوائي ( 1 / 222 - 229 ) و قال ابن  
الجوزي في " الموضوعات " ( 1 / 284 ) : " هذا حديث موضوع بلا شك , و الذي وضعه  
قليل الفهم , عديم العلم , إذ لو كان له علم لعلم أن من مات كافرا لا ينفعه أن  
يؤمن بعد الرجعة , لا بل لو آمن عند المعاينة , و يكفي في رد هذا الحديث قوله  
تعالى : *( فيمت و هو كافر )* , و قوله صلى الله عليه وسلم في ( الصحيح ) : "  
استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي " . و لقد أحسن القول في هؤلاء بعبارة  
ناصعة وجيزة الشيخ عبد الرحمن اليماني رحمه الله في تعليقه على " الفوائد  
المجموعة في الأحاديث الموضوعة " للإمام الشوكاني , فقال ( ص 322 ) : " كثيرا  
ما تجمح المحبة ببعض الناس , فيتخطى الحجة و يحاربها , و من وفق علم أن ذلك  
مناف للمحبة الشرعية . و الله المستعان " . قلت : و ممن جمحت به المحبة السيوطي  
عفا الله عنه , فإنه مال إلى تصحيح حديث الإحياء الباطل عند كبار العلماء كما  
تقدم , و حاول في كتابه " اللآلىء " ( 1 / 265 - 268 ) التوفيق بينه و بين حديث  
الاستئذان و ما في معناه , بأنه منسوخ , و هو يعلم من علم الأصول أن النسخ لا  
يقع في الأخبار و إنما في الأحكام ! و ذلك أنه لا يعقل أن يخبر الصادق المصدوق  
عن شخص أنه في النار ثم ينسخ ذلك بقوله : إنه في الجنة ! كما هو ظاهر معروف لدى  
العلماء . و من جموحه في ذلك أنه أعرض عن ذكر حديث مسلم عن أنس المطابق لحديث  
الترجمة إعراضا مطلقا , و لم يشر إليه أدنى إشارة , بل إنه قد اشتط به القلم و  
غلا , فحكم عليه بالضعف متعلقا بكلام بعضهم في رواية حماد بن سلمة ! و هو يعلم  
أنه من أئمة المسلمين و ثقاتهم , و أن روايته عن ثابت صحيحة , بل قال ابن  
المديني و أحمد و غيرهما : أثبت أصحاب ثابت حماد , ثم سليمان , ثم حماد بن زيد  
, و هي صحاح . و تضعيفه المذكور كنت قرأته قديما جدا في رسالة له في حديث  
الإحياء - طبع الهند - و لا تطولها يدي الآن لأنقل كلامه , و أتتبع عواره ,  
فليراجعها من شاء التثبت . و لقد كان من آثار تضعيفه إياه أنني لاحظت أنه أعرض  
عن ذكره أيضا في شيء من كتبه الجامعة لكل ما هب و دب , مثل " الجامع الصغير " و  
" زيادته " و " الجامع الكبير " ! و لذلك خلا منه " كنز العمال " و الله  
المستعان , و لا حول و لا قوة إلا بالله . و تأمل الفرق بينه و بين الحافظ  
البيهقي الذي قدم الإيمان و التصديق على العاطفة و الهوى , فإنه لما ذكر حديث :  
" خرجت من نكاح غير سفاح " , قال عقبه : " و أبواه كانا مشركين , بدليل ما  
أخبرنا .. " , ثم ساق حديث أنس هذا و حديث أبي هريرة المتقدم في زيارة قبر أمه  
صلى الله عليه