 إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتى  
ارتضوا و اصطلحوا على أن كل قتيل قتله ( العزيزة ) من ( الذليلة ) فديته خمسون  
وسقا , و كل قتيل قتله ( الذليلة ) من ( العزيزة ) فديته مائة وسق , فكانوا على  
ذلك , حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة , فذلت الطائفتان كلتاهما  
لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم , و يؤمئذ لم يظهر و لم يوطئهما عليه <1>   
و هو في الصلح , فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا , فأرسلت ( العزيزة ) إلى (  
الذليلة ) أن ابعثوا إلينا بمائة وسق , فقالت ( الذليلة ) : و هل كان هذا في  
حيين قط دينهما واحد , و نسبهما واحد , و بلدهما واحد , دية بعضهم نصف دية بعض  
? ! إنا إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا , و فرقا منكم , فأما إذ قدم محمد فلا  
نعطيكم ذلك , فكادت الحرب تهيج بينهما , ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله   
صلى الله عليه وسلم بينهما , ثم ذكرت ( العزيزة ) فقالت : والله ما محمد  
بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم , و لقد صدقوا , ما أعطونا هذا إلا ضيما منا و  
قهرا لهم , فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه , إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه و  
إن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه . فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا  
من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلما جاء رسول  
الله صلى الله عليه وسلم أخبر الله رسوله بأمرهم كله و ما أرادوا , فأنزل الله  
عز وجل : *( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا :  
آمنا )* إلى قوله : *( و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون )* , ثم  
قال : فيهما والله نزلت , و إياهما عنى الله عز وجل " .

-----------------------------------------------------------

[1] لفظ الطبراني : " و رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمئذ لم يظهر عليهم و لم  
يوطئهما , و هو الصلح " . اهـ .

قال الألباني في " السلسلة الصحيحة " 6 / 110 :

أخرجه أحمد ( 1 / 246 ) و الطبراني في " المعجم الكبير " ( 3 / 95 / 1 ) من  
طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن  
مسعود عن #‎ابن عباس # قال : فذكره . و عزاه السيوطي في " الدر المنثور " ( 2 /  
281 ) لأبي داود أيضا و ابن جرير و ابن المنذر و أبي الشيخ و ابن مردويه عن ابن  
عباس , و هو عند ابن جرير في " التفسير " ( 12037 ج 10 / 352 ) من هذا الوجه ,  
لكنه لم يذكر في إسناده ابن عباس . و عند أبي داود ( 3576 ) نزول الآيات الثلاث  
في اليهود خاصة في قريظة و النضير . فقط خلافا لما يوهمه قول ابن كثير في "  
التفسير " ( 6 / 160 ) بعد ما ساق رواية أحمد هذه المطولة : " و رواه أبو داود  
من حديث ابن أبي الزناد عن أبيه نحوه " ! و قد نقل عنه صاحب " الروض الباسم في  
الذب عن سنة أبي القاسم " أنه حسن إسناده . و لم أر هذا في كتابه : " التفسير "  
, فلعله في بعض كتبه الأخرى . و تحسين هذا الإسناد هو الذي تقتضيه قواعد هذا  
العلم الشريف , فإن مداره على عبد الرحمن بن أبي الزناد , و هو كما قال الحافظ  
: " صدوق , تغير حفظه لما قدم بغداد , و كان فقيها " . فقول الهيثمي ( 7 / 16 )  
: " رواه أحمد و الطبراني بنحوه , و فيه عبد الرحمن بن أبي الزناد , و هو ضعيف  
, و قد وثق , و بقية رجال أحمد ثقات " . قلت : فقوله فيه : " ضعيف , و قد وثق "  
ليس بجيد لأنه يرجح قول من ضعفه على قول من وثقه , و الحق أنه وسط حسن الحديث ,  
إلا أن يخالف و هذا مما لا يستفاد من قوله المذكور فيه . و الله أعلم . ( فائدة  
هامة ) : إذا علمت أن الآيات الثلاث : *( و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم  
الكافرون )* , *( فأولئك هم الظالمون )* , *( فأولئك هم الفاسقون )* نزلت في  
اليهود و قولهم في حكمه صلى الله عليه وسلم : " إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه ,  
و إن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه " , و قد أشار القرآن إلى قولهم هذا قبل هذه  
الآيات فقال : *( يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه , و إن لم تؤتوه فاحذروا )* , إذا  
عرفت هذا , فلا يجوز حمل هذه الآيات على بعض الحكام المسلمين و قضاتهم الذين  
يحكمون بغير ما أنزل الله من القوانين الأرضية , أقول : لا يجوز تكفيرهم بذلك ,  
و إخراجهم من الملة إذا كانوا مؤمنين بالله و رسوله , و إن كانوا مجرمين بحكمهم  
بغير ما أنزل الله , لا يجوز ذلك , لأنهم و إن كانوا كاليهود من جهة حكمهم  
المذكور , فهم مخالفون لهم من جهة أخرى , ألا و هي إيمانهم و تصديقهم بما أنزل  
الله , بخلاف اليهود الكفار , فإنهم كانوا جاحدين له كما يدل عليه قولهم  
المتقدم : " ... و إن لم يعطكم حذرتموه فلم تحكموه " , بالإضافة إلى أنهم ليسوا  
مسلمين أصلا , و سر هذا أن الكفر قسمان : اعتقادي و عملي . فالاعتقادي مقره  
القلب . و العملي محله الجوارح . فمن كان عمله كفرا لمخالفته للشرع , و كان  
مطابقا لما وقر في قلبه من الكفر به , فهو الكفر الاعتقادي , و هو الكفر الذي  
لا يغفره الله , و يخلد صاحبه في النار أبدا . و أما إذا كان مخالفا لما وقر في  
قلبه , فهو مؤمن بحكم ربه , و لكنه يخالفه بعمله , فكفره كفر عملي فقط , و ليس  
كفرا اعتقاديا , فهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه , و إن شاء غفر له , و  
على هذا النوع من الكفر تحمل الأحاديث التي فيها إطلاق الكفر على من فعل شيئا  
من المعاصي من المسلمين , و لا بأس من ذكر بعضها : 1 - اثنتان في الناس هما بهم  
كفر , الطعن في الأنساب و النياحة على الميت . رواه مسلم . <1> 2 - الجدال في  
القرآن كفر . <2> 3 - سباب المسلم فسوق , و قتاله كفر . رواه مسلم . <3> 4 -  
كفر بالله تبرؤ من نسب و إن دق . <4> 5 - التحدث بنعمة الله شكر , و تركها كفر  
. <5> 6 - لا ترجعوا بعدي كفارا , يضرب بعضكم رقاب بعض . متفق عليه . <6> إلى  
غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي لا مجال الآن لاستقصائها . فمن قام من  
المسلمين بشيء من هذه المعاصي , فكفره كفر عملي , أي إنه يعمل عمل الكفار , إلا  
أن يستحلها , و لا يرى كونها معصية فهو حينئذ كافر حلال الدم , لأنه شارك  
الكفار في عقيدتهم أيضا , و الحكم بغير ما أنزل الله , لا يخرج عن هذه القاعدة  
أبدا , و قد جاء عن السلف ما يدعمها , و هو قولهم في تفسير الآية : " كفر دون  
كفر " , صح ذلك عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنه , ثم تلقاه عنه  
بعض التابعين و غيرهم , و لابد من ذكر ما تيسر لي عنهم لعل في ذلك إنارة للسبيل  
أمام من ضل اليوم في هذه المسألة الخطيرة , و نحا نحو الخوارج الذين يكفرون  
المسلمين بارتكابهم المعاصي , و إن كانوا يصلون و يصومون ! 1 - روى ابن جرير  
الطبري ( 10 / 355 / 12053 ) بإسناد صحيح عن ابن عباس : *( و من لم يحكم بما  
أنزل الله فأولئك هم الكافرون )* قال : هي به كفر , و ليس كفرا بالله و ملائكته  
و كتبه و رسله . 2 - و في رواية عنه في هذه الآية : إنه ليس بالكفر الذي يذهبون  
إليه <7> , إنه ليس كفرا ينقل عن الملة , كفر دون كفر . أخرجه الحاكم ( 2 / 313  
) و قال : " صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي , و حقهما أن يقولا : على شرط  
الشيخين . فإن إسناده كذلك . ثم رأيت الحافظ ابن كثير نقل في " تفسيره " ( 6 /  
163 ) عن الحاكم أنه قال : " صحيح على شرط الشيخين " , فالظاهر أن في نسخة "  
المستدرك " المطبوعة سقطا , و عزاه ابن كثير لابن أبي حاتم أيضا ببعض اختصار .  
3 - و في أخرى ع