نظر الرجيح , إن أي فرق بين تحريم القليل الذي لا يسكر من خمر العنب المسكر  
كثيره , و بين تحليل القليل الذي لا يسكر من خمر الذرة المسكر ? ! و هل حرم  
القليل إلا لأنه ذريعة إلى الكثير المسكر , فكيف يحلل هذا و يحرم ذاك و العلة  
واحدة ?‎! تالله إن هذا من الغرائب التي لا تكاد تصدق نسبتها إلى أحد من أهل  
العلم لولا صحة ذلك عنهم , و أعجب منه الذي تبنى القول به هو من المشهورين بأنه  
من أهل القياس و الرأي !‎!‎قال ابن القيم في " تهذيب السنن " ( 5 / 263 ) بعد 
أن ساق بعض النصوص المذكورة : 

" فهذه النصوص الصحيحة الصريحة في دخول هذه الأشربة المتخذة من غير العنب في  
اسم الخمر في اللغة التي نزل بها القرآن و خوطب بها الصحابة مغنية عن التكلف في  
إثبات تسميتها خمرا بالقياس , مع كثرة النزاع فيه . فإذ قد ثبت تسميتها خمرا  
نصا فتناول لفظ النصوص لها كتناوله لشراب العنب سواء تناولا واحدا . فهذه طريقة  
منصوصة سهلة تريح من كلمة القياس في الاسم , و القياس في الحكم . ثم إن محض  
القياس الجلي يقتضي التسوية بينها , لأن تحريم قليل شراب العنب مجمع عليه ,     
و إن لم يسكر , و هذا لأن النفوس لا تقتصر على الحد الذي لا يسكر منه , و قليله  
يدعو إلى كثيره . و هذا المعنى بعينه في سائر الأشربة المسكرة , فالتفريق بينها  
في ذلك تفريق بين المتماثلات و هو باطل , فلو لم يكن في المسألة إلا القياس  
لكان كافيا في التحريم , فكيف و فيها ما ذكرناه من النصوص التي لا مطعن في  
سندها , و لا اشتباه في معناها , بل هي صحيحة . و بالله التوفيق " . 

و أيضا فإن إباحة القليل الذي لا يسكر من الكثير الذي يسكر غير عملي , لأنه لا  
يمكن معرفته إذ أن ذلك يختلف باختلاف نسبة كمية المادة المسكرة ( الكحول ) في  
الشراب , فرب شراب قليل , كمية الكحول فيه كثيرة و هو يسكر , و رب شراب أكثر  
منه كمية , الكحول فيه أقل لا يسكر و كما أن ذلك يختلف باختلاف بنية الشاربين 
و صحتهم , كما هو ظاهر بين , و حكمة الشريعة تنافي القول بإباحة مثل هذا الشراب  
و هي التي تقول : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " , " و من حام حول الحمى يوشك  
أن يقع فيه " . 

و اعلم أن ورود مثل هذه الأقوال المخالفة للسنة و القياس الصحيح معا في بعض  
المذاهب مما يوجب على المسلم البصير في دينه , الرحيم بنفسه أن لا يسلم قيادة  
عقله و تفكيره و عقيدته لغير معصوم , مهما كان شأنه في العلم و التقوى و الصلاح  
بل عليه أن يأخذ من حيث أخذوا من الكتاب و السنة إن كان أهلا لذلك , و إلا سأل  
المتأهلين لذلك , و الله تعالى يقول : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )  
. 
و بالإضافة إلى ذلك فإنا نعتقد أن من قال بهذا القول من العلماء المشار إليهم  
فهو مأجور على خطئه , للحديث المعروف , لأنهم قصدوا الحق فأخطؤوه , و أما من  
وقف من أتباعهم على هذه الاحاديث التي ذكرنا , ثم أصر على تقليدهم على خطأهم ,  
و أعرض عن اتباع الأحاديث المذكورة فهو - و لا شك - على ضلال مبين , و هو داخل  
في وعيد هذه الأحاديث التي خرجناها و لا يفيده شيئا تسميته لما يشرب بغير اسمه  
مثل الطلاء , و النبيذ , أو ( الويسكى ) أو ( الكونياك ) و غير ذلك من الأسماء  
التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث الكريمة . 
و صدق الله العظيم إذ يقول : ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم و آبائكم ما أنزل  
الله بها من سلطان ) . 

ثانيا : تحريم آلات العزف و الطرب , و دلالة الحديث على ذلك من وجوه : 

أ - قوله : " يستحلون " فإنه صريح بأن المذكورات و منها المعازف هي في الشرع  
محرمة , فيستحلها أولئك القوم . 

ب - قرن ( المعازف ) مع المقطوع حرمته : الزنا و الخمر , و لو لم تكن محرمة ما  
قرنها معها إن شاء الله تعالى . 
و قد جاءت أحاديث كثيرة بعضها صحيح في تحريم أنواع من آلات العزف التي كانت  
معروفة يومئذ , كالطبل و القنين و هو العود و غيرها , و لم يأت ما يخالف ذلك 
أو يخصه , اللهم إلا الدف في النكاح و العيد , فإنه مباح على تفصيل مذكور في  
الفقه , و قد ذكرته في ردي على ابن حزم . و لذلك اتفقت المذاهب الأربعة على  
تحريم آلات الطرب كلها , و استثنى بعضهم - بالإضافة إلى ما ذكرنا - الطبل في  
الحرب , و ألحق به بعض المعاصرين الموسيقى العسكرية , و لا وجه لذلك ألبتة  
لأمور : 

الأول : أنه تخصيص لأحاديث التحريم , بدون مخصص , سوى مجرد الرأي و الاستحسان ,  
و هو باطل . 

الثاني : أن المفروض في المسلمين في حالة الحرب أن يقبلوا بقلوبهم على ربهم ,   
و أن يطلبوا منه نصرهم على عدوهم , فذلك أدعى لطمأنينة نفوسهم , و أربط لقلوبهم  
فاستعمال الموسيقى مما يفسد ذلك عليهم , و يصرفهم عن ذكر ربهم , قال تعالى : 
( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا , و اذكروا الله كثيرا لعلكم  
تفلحون ) . 

الثالث : أن استعمالها من عادة الكفار ( الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم  
الآخر , و لا يحرمون ما حرم الله و رسوله , و لا يدينون دين الحق ) فلا يجوز  
لنا أن نتشبه بهم , لا سيما فيما حرمه الله تبارك و تعالى علينا تحريما عاما  
كالموسيقى . 

و لا تغتر أيها القارئ الكريم بما قد تسمع عن بعض المشهورين اليوم من المتفقهة  
من القول بإباحة آلات الطرب و الموسيقى , فإنهم - و الله - عن تقليد يفتون , 
و لهوى الناس اليوم ينصرون , و من يقلدون ? إنما يقلدون ابن حزم الذي أخطأ  
فأباح آلات الطرب و الملاهي , لأن حديث أبي مالك الأشعري لم يصح عنده , و قد  
عرفت أنه صحيح قطعا , و أن ابن حزم أتي من قصر باعه في علم الحديث كما سبق  
بيانه , و ليت شعري ما الذي حملهم على تقليده هنا دون الأئمة الأربعة , مع أنهم  
أفقه منه و أعلم و أكثر عددا و أقوى حجة ? ! لو كان الحامل لهم على ذلك إنما هو  
التحقيق العلمي فليس لأحد عليهم من سبيل , و معنى التحقيق العلمي كما لا يخفى  
أن يتتبعوا الاحاديث كلها الواردة في هذا الباب و يدرسوا طرقها و رجالها , ثم  
يحكموا عليها بما تستحق من صحة أو ضعف , ثم إذا صح عندهم شيء منها درسوها من  
ناحية دلالتها و فقهها و عامها و خاصها , و ذلك كله حسبما تقتضيه قواعد علم  
أصول الحديث و أصول الفقه , لو فعلوا ذلك لم يستطع أحد انتقادهم و لكانوا  
مأجورين , و لكنهم - و الله - لا يصنعون شيئا من ذلك , و لكنهم إذا عرضت لهم  
مسألة نظروا في أقوال العلماء فيها , ثم أخذوا ما هو الأيسر أو الأقرب إلى  
تحقيق المصلحة زعموا . دون أن ينظروا موافقة ذلك للدليل من الكتاب و السنة , 
و كم شرعوا للناس - بهذه الطريقة - أمورا باسم الشريعة الإسلامية , يبرأ  
الإسلام منها . فإلى الله المشتكى . 

فاحرص أيها المسلم على أن تعرف إسلامك من كتاب ربك , و سنة نبيك , و لا تقل :  
قال فلان , فإن الحق لا يعرف بالرجال , بل اعرف الحق تعرف الرجال , و رحمة الله  
على من قال : 
            العلم قال الله قال رسوله       قال الصحابة ليس بالتمويه 
            ما العلم نصبك للخلاف سفاهة     بين الرسول و بين رأي فقيه 
            كلا و لا جحد الصفات و نفيها    حذرا من التمثيل و التشبيه

ثالثا : أن الله عز و جل قد يعاقب بعض الفساق عقوبة دنيوية مادية , فيمسخهم  
فيقل