 الحديث و ضبطه ,  
فرواه محمد بن شعيب عنه باللفظ المتقدم :
غير أن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء .
و رواه صدقة بن خالد عنه بلفظ :
قالوا : نتوضأ للصلاة و نغتسل من الجنابة و نستنجي بالماء .
أخرجه ابن ماجه ( 1/146 - 147 ) و الحاكم ( 2/334 - 335 ) و الضياء المقدسي في  
" الأحاديث المختارة " ( 2/140 ) و قال الحاكم :
صحيح الإسناد , و وافقه الذهبي !
كذا قالا , و قد عرفت مما سبق أن الصواب أنه ضعيف الإسناد , و الغرض الآن أن  
نبين أن عتبة كان يضطرب في ضبط هذا الحديث , فتارة يرويه باللفظ الأول , و تارة  
باللفظ الآخر , و ليس هذا الاضطراب من الراويين عنه محمد بن شعيب و صدقة بن  
خالد فإنهما ثقتان اتفاقا , فتعين أنه من عتبة نفسه .
و اللفظ الآخر هو الراجح عندنا , بل هو في نفسه صحيح ثابت , لأمرين :
الأول : أنه روي كذلك من طريق أخرى عن أبي أيوب وحده .
و الآخر : أن له شواهد كثيرة من حديث أبي هريرة و ابن عباس و عويمر بن ساعدة .  
و قد خرجتها في " صحيح أبي داود " ( رقم 34 ) ثم في " الإرواء " ( 45 ) .
و أما الطريق فأخرجه الحاكم ( 1/188 ) من رواية واصل بن السائب الرقاشي عن عطاء  
ابن أبي رباح و ابن سورة عن عمه أبي أيوب قال : قالوا : يا رسول الله من هؤلاء  
الذين *( فيه رجال يحبون أن يتطهروا , و الله يحب المتطهرين )* ? قال : كانوا  
يستنجون بالماء .
ذكره الحاكم شاهدا لحديث ابن عباس المشار إليه , و الرقاشي ضعيف كما في 
" التقريب " فيعتبر به , و لا يحتج بما يتفرد به .
فإن قيل : فما الفرق بين اللفظين حتى احتيج إلى ترجيح أحدهما على الآخر ?
فالجواب : هو أن اللفظ المرجوح فإن فيه القيد المذكور و هو بظاهره يدل على أنهم  
كانوا يستنجون بالماء بعد استنجائهم بالحجارة , ذلك لأنه من غير الجائز أن  
يمدحوا و يثني الله عليهم لو فرض أنهم كانوا يقومون قبل الاستنجاء بها , هذا  
بعيد جدا , فإذن الحديث بهذا اللفظ دليل على استحباب الجمع بين الماء و الحجارة  
في الاستنجاء فهو حينئذ يمكن اعتباره شاهدا لحديث ابن عباس الذي أخرجه البزار  
بلفظ : فقالوا : " إنا نتبع الحجراة بالماء " .
و هو ضعيف الإسناد كما صرح به الحافظ في " التلخيص " و " البلوغ " و بينه  
الزيلعي في " نصب الراية " ( 1/218 ) , بل هو منكر عندي لمخالفته لجميع طرق  
الحديث بذكر الحجارة فيه , بل بالغ النووي فقال في " الخلاصة " كما نقله  
الزيلعي : و أما ما اشتهر في كتب التفسير و الفقه من جمعهم بين الأحجار 
و الماء فباطل لا يعرف , و ذكر معنى هذا في " المجموع " أيضا , و لكنه استنبط  
معناه من لفظ الحديث هذا , فقال بعد أن ذكره بلفظيه مع حديث أبي هريرة و عويمر  
بن ساعدة : فهذا الذي ذكرته من طرق الحديث هو المعروف في كتب الحديث أنهم كانوا  
يستنجون بالماء , و ليس فيها ذكر الجمع بين الماء و الأحجار , و أما قول المصنف  
: قالوا : نتبع الحجارة الماء , فكذا يقوله أصحابنا و غيرهم في كتب الفقه و  
التفسير فليس له أصل في كتب الحديث , و كذا قال الشيخ أبو حامد في التعليق : إن  
أصحابنا رووه , قال : و لا أعرفه , فإذا عرف أنه ليس له أصل من جهة الرواية ,  
فيمكن تصحيحه من جهة الاستنباط , لأن الاستنجاء بالحجر كان معلوما عندهم يفعله  
جميعهم , و أما الاستنجاء بالماء فهو الذي انفردوا به , فلهذا ذكر و لم يذكر  
الحجر لأنه مشترك بينهم و بين غيرهم , و لكونه معلوما فإن المقصود بيان فضلهم  
الذي أثنى الله عليهم بسببه , و يؤيد هذا قولهم : إذا خرج أحدنا من الغائط أحب  
أن يستنجي بالماء , فهذا يدل على أن استنجاءهم بالماء كان بعد خروجهم من الخلاء  
, و العادة جارية بأنه لا يخرج من الخلاء إلا بعد التمسح بماء أو حجر . و هكذا  
المستحب أن يستنجي بالحجر في موضع قضاء الحاجة , و يؤخر الماء إلى أن ينتقل إلى  
موضع آخر , والله أعلم " .
و جوابنا عن هذا الاستنباط أنه غير مسلم , و بيانه من وجهين :
الأول : أن أي حكم شرعي يستنبط من نص شرعي , فلابد لهاذ أن يكون ثابت الإسناد ,  
و قد بينت فيما سبق أن هذا النص ضعيف الإسناد منكر المتن , فلا يصح حينئذ  
الاستنباط منه .
الآخر : هب أن النص المشار إليه ثابت الإسناد , فالاستنباط المذكور لا نسلم  
بصحته , لأن الحجارة لم تذكر فيه و لو إشارة , و أخذ ذلك من مجرد ثناء الله  
تعالى عليهم بضميمة أن الاستنجاء بها كان معروفا لديهم غير لازم , لأن الثناء  
المشار إليه يتحقق و يصدق عليهم بأي شيء فاضل تفرد به الأنصار دون غيرهم , 
و إذا كان من المسلم حينئذ فضلا أنهم كانوا يفعلون ذلك الذي لا يفعله بل و لا  
يعرفه غيرهم إلا أهل الكتاب , و منهم تلقاه الأنصار كما في بعض الروايات  
الثابتة .
فإن قيل : ما ذكرته الآن ينافي ما تقدم من قولك : إن الحديث يدل بظاهره على  
الجمع المذكور . فأقول : نعم , و لكن هذا الظاهر ليس هناك ما يلزمنا الجمود  
عنده , لأنه لم يجر العمل به من النبي صلى الله عليه وسلم و لا من أحد من  
الصحابة , ألا ترى إلى قول النووي في آخر كلامه السابق :
و هكذا المستحب أن يستنجى بالحجر في موضع قضاء الحاجة , و يؤخر الماء إلى أن  
ينتقل إلى موضع آخر .
فهل يستطيع أحد أن يدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم و أصحابه كانوا يفعلون ذلك  
? ! و حينئذ فلابد من تأويل النص المذكور بما لا يتنافى مع ما هو المعروف من  
الاستنجاء بالماء في مكان قضاء الحاجة , و ذلك بأن نفسر قولهم - إن صح - : "  
إذا خرج من الغائط أي أراد الخروج , و مثل هذا التفسير معروف في كثير من  
الأحاديث , مثل حديث أنس قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل  
الخلاء قال : اللهم إني أعوذ بك من الخبث و الخبائث " , و قد اتفقوا على أن  
المعنى : كان إذا أراد دخول الخلاء , و مثله قول الله تبارك و تعالى : *( فإذا  
قرأت القرآن فاستعذ بالله )* , أي أردت قراءة القرآن , و نحو ذلك كثير .
و خلاصة القول : أن الحديث بهذا اللفظ ضعيف الإسناد منكر المتن , و قد ترتب  
عليه استنباط حكم نقطع بأنه لم يكن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم و لا  
أصحابه , ألا و هو الاستنجاء بالحجارة أولا , ثم بالماء في مكان آخر , بل  
الراجح عندي أنه لا يشرع الجمع بينهما و لو في المكان الأول , لأنه لم ينقل  
أيضا عنه صلى الله عليه وسلم , و لما فيه من التكلف , فبأيهما استنجى حصلت  
السنة , فإن تيسر الأمران معا بلا كلفة فلا مانع من ذلك لما فيه من تنزيه اليد  
عن الرائحة الكريهة . والله أعلم .
تنبيه : إن الذي دفعني إلى تحرير القول في هذا الحديث هو أنني رأيت بعض من ألف  
في شرح الترمذي من حنفية الهند <1> نقل كلام النووي في الاستنباط المذكور 
و ذكر أنه صحح إسناد الحديث , و أقر كل ذلك فأحببت أن أبين حقيقة الأمر , عسى  
أن ينتفع به من قد يقف عليه , ثم رأيته ذكر كلاما آخر عقب الحديث فيه أشياء  
تستحق التنبيه عليه , فرأيت من الواجب بيان ذلك أيضا , قال ( 1/133 ) :
ثم إن أحاديث الجمع قد أخرجها الهيثمي في " زوائده " بأسانيد فيها كلام  
للمحدثين , و بوب عليها ( باب الجمع بين الماء و الحجارة ) , و أخرج فيه حديث  
ابن ساعدة و ابن عباس و ابن سلام و غيرهم , و فيها الجمع , و ليس فيها رواية لم  
يتكلم فيها , و مع هذ