لأئمة له , بل و عن تكذيب كثيرين منهم إياه , مثل أبي حاتم و النسائي 
و أبي زرعة و صرح هذا أنه كان يتعمد الكذب , و مثل ابن خراش فقد حلف بالله أنه  
كان يكذب , و قال صالح بن محمد الأسدي : كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه  
فيه , و قال في موضع آخر : كانت أحاديثه تزيد , و ما رأيت أحدا أجرأ على الله  
منه , و قال أيضا : ما رأيت أحدا أحذق بالكذب من رجلين سليمان الشاذكوني و محمد  
ابن حميد , كان يحفظ حديثه كله .
و قال أبو علي النيسابوري : قلت لابن خزيمة : لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد  
فإن أحمد قد أحسن الثناء عليه ? فقال : إنه لم يعرفه , و لو عرفه كما عرفناه ما  
أثنى عليه أصلا . 
فهذه النصوص تدل على أن الرجل كان مع حفظه كذابا , و الكذب أقوى أسباب الجرح 
و أبينها , فكيف ساغ للشيخ تقديم التعديل على الجرح المفسر مع أنه خلاف معتقده  
? ! 
علم ذلك عند من يعرف مبلغ تعصبه على أنصار السنة و أهل الحديث , و شدة عداوته  
إياهم سامحه الله و عفا عنه . 
فتبين مما ذكرناه أن هذه القصة المروية عن مالك قصة باطلة موضوعة , و قد حقق  
القول في ذلك على طريقة أخرى شيخ الإسلام في " القاعدة الجليلة " ( 1 / 227 ـ  
ضمن مجموع الفتاوى ) و ابن عبد الهادي في " الصارم المنكي " فليراجعهما من أراد  
المزيد من الاطلاع على بطلانها , فإن فيما أوردت كفاية . 
و بذلك ثبت وضع حديث توسل آدم بالنبي صلى الله عليه وسلم , و خطأ من خالف . 
و لقد أطلت كثيرا في تحقيق الكلام عليه و على الأحاديث التي قبله , و ما كنت  
أود ذلك لولا أنى وجدت نفسي مضطرا لذلك , لما وقفت على مغالطات الشيخ الكوثري ,  
فرأيت من الواجب الكشف عنها لئلا يغتر بها من لا علم له بما هنالك ! فمعذرة إلى  
القراء الكرام . 
هذا و إن من الآثار السيئة التي تركتها هذه الأحاديث الضعيفة في التوسل أنها  
صرفت كثيرا من الأمة عن التوسل المشروع إلى التوسل المبتدع , ذلك لأن العلماء  
متفقون - فيما أعلم - على استحباب التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه أو صفة  
من صفاته تعالى , و على توسل المتوسل إليه تعالى بعمل صالح قدمه إليه عز وجل .  
و مهما قيل في التوسل المبتدع فإنه لا يخرج عن كونه أمرا مختلفا فيه , فلو أن  
الناس أنصفوا لانصرفوا عنه احتياطا و عملا بقوله صلى الله عليه وسلم " دع ما  
يريبك إلى ما لا يريبك " إلى العمل بما أشرنا إليه من التوسل المشروع , و لكنهم  
مع الأسف أعرضوا عن هذا و تمسكوا بالتوسل المختلف فيه كأنه من الأمور اللازمة  
التي لابد منها و لازموها ملازمتهم للفرائض ! فإنك لا تكاد تسمع شيخا أو عالما  
يدعو بدعاء يوم الجمعة و غيره إلا ضمنه التوسل المبتدع , و على العكس من ذلك  
فإنك لا تكاد تسمع أحدهم يتوسل بالتوسل المستحب كأن يقول مثلا : اللهم إنى  
أسألك بأن لك الحمد لا إله ألا أنت وحدك لا شريك لك المنان , يا بديع السموات 
و الأرض , يا ذا الجلال و الإكرام يا حي يا قيوم إني أسألك ... مع أن فيه الاسم  
الأعظم الذي إذا دعي به أجاب و إذا سئل به أعطى كما قال صلى الله عليه وسلم  
فيما صح عنه , فهل سمعت أيها القارئ الكريم أحدا يتوسل بهذا أو بغيره مما في  
معناه ? أما أنا فأقول آسفا : إننى لم أسمع ذلك , و أظن أن جوابك سيكون كذلك ,  
فما السبب في هذا ? ذلك هو من آثار انتشار الأحاديث الضعيفة بين الناس , 
و جهلهم بالسنة الصحيحة , فعليكم بها أيها المسلمون علما و عملا تهتدوا و تعزوا  
.
و بعد طبع ما تقدم اطلعت على رسالة في جواز التوسل المبتدع لأحد مشايخ الشمال  
المتهورين , متخمة بالتناقض الدال على الجهل البالغ , و بالضلال و الأباطيل 
و التأويلات الباطلة و الافتراء على العلماء بل الإجماع ! مثل تجويز الاستغاثة  
بالموتى و النذر لهم , و زعمه أن توحيد الربوبية و توحيد الألوهية متلازمان ! 
و غير ذلك مما لا يقول به عالم مسلم , كما أنه حشاها بالأحاديث الضعيفة 
و الواهية كما هي عادته في كل ما له من رسائل - و ليته سكت عنها , بل إنه صحح  
بعض ما هو معروف منها بالضعف كقوله ( ص 42 ) و في الأحاديث الصحيحة : " إن أحب  
الخلق إلى الله أنفعهم لعباده " و غير ذلك مما لا يمكن البحث فيه الآن . 
و إنما القصد أن أنبه القراء على ما وقع في كلامه على الأحاديث المتقدمة في  
التوسل من التدليس بل الكذب المكشوف ليوهمهم صحتها , كي يكونوا في حذر منه و من  
أمثاله من الذين لا يتقون الله فيما يكتبون , لأن غرضهم الانتصار لأهوائهم و ما  
وجدوا عليه آبائهم و أمهاتهم . 
فحديث أنس ( رقم 23 ) الذي بينا ضعف إسناده , أوهم هو أنه صحيح بتمكسه بتوثيق  
ابن حبان و الحاكم لروح بن صلاح ! و قد أثبتنا ضعف هذا الراوي و عدم اعتداد  
العلماء بتوثيق المذكورين فتذكر , كما أثبتنا عدم أمانة الكوثري في النقل 
و اتباعه للهوى و قد جرى على طريقته هذه مؤلف هذه الرسالة بل زاد عليه ! فإنه  
بعد أن ساق الحديث موهما القاريء أنه صحيح قال عقبه ( ص 15 ) : و لهذا طرق منها  
عن ابن عباس عند أبي نعيم في " المعرفة " و الديلمي في " الفردوس " بإسناد حسن  
كما قاله الحافظ السيوطي . 
فهذا كذب منه على ابن عباس رضي الله عنه - و ربما على السيوطي أيضا - فليس في  
حديث ابن عباس موضع الشاهد من حديث أنس و هو قوله " بحق نبيك و الأنبياء الذين  
قبلي فإنك أرحم الراحمين " و ذلك مما يوهن هذه الزيادة و لا يقويها خلافا  
لمحاولة المؤلف الفاشلة المغرضة ! 
و أما حديث عمر ( رقم 25 ) فقال في تخريجه ( ص 15 ) : 
و أخرج البيهقي في " دلائل النبوة " و قد التزم أن لا يذكر في هذا الكتاب حديثا  
موضوعا . 
قلت : و الجواب من وجهين : 
الأول : أن الالتزام المذكور غير مسلم به , فقد أخرج فيه غيرما حديث موضوع و قد  
نص على ذلك بعض النقاد , و من يتتبع مقالاتنا هذه في الأحاديث الضعيفة
و الموضوعة يجد أمثلة على ذلك و حسبك دليلا الآن هذا الحديث فقد حكم عليه  
الحافظان الذهبي و العسقلاني بأنه حديث باطل كما سبق , فما بال المؤلف يتغاضى  
عن حكمهما و هما المرجع في هذا الشأن و يتعلق بالمتشابه من الكلام ? ! .
الآخر : أن البيهقي الذي أخرجه في " الدلائل " قد ضعف الحديث فيه كما سبق نقله  
عنه , فإن لم يكن الحديث عنده موضوعا فهو على الأقل ضعيف , فهو حجة على الشيخ  
الذي يحاول بتحريف الكلام أن يجعله صحيحا ? ! 
ثم نقل المؤلف تخريج الحاكم للحديث و تصحيحه إياه , و تغاضى أيضا عن تعقب  
الذهبي إياه الذي سبق أن ذكرناه , و الذي يصرح فيه أنه حديث موضوع ! كما تغاضى  
عن حال راويه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم , الذي اتهمه الحاكم نفسه بالوضع ! 
و عن غيره ممن لا يعرف حاله أو هو متهم , و عن قول الحافظ الهيثمي في الحديث  
فيه من لم أعرفهم ! .
عجبا من هذا المؤلف و أمثاله إنهم يزعمون أن باب الاجتهاد قد أغلق على الناس  
فليس لهم أن يجتهدوا لا في الحديث تصحيحا و تضعيفا , و لا في الفقه , ترجيحا 
و تفريعا , ثم هم يجتهدون فيما لا علم لهم فيه البتة , و هو علم الحديث , 
و يضربون بكلام ذوي الاختصاص عرض الحائط ! ثم هم إن قلدوا قلدوا دون علم متبعين  
أهواءهم , و إلا فقل لي بالله عليك : إذا صحح الحاكم حديثا - و هو معروف  
بتساهله في ذ